#adsense

رائحة الكتب القديمة تساهم في تخفيف التوتر

حجم الخط

في زمنٍ باتت فيه الضغوط اليومية جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان، ووسط انفجار التكنولوجيا الرقمية والاعتماد المتزايد على الشاشات، تعود دراسة جديدة لتسلّط الضوء على عنصر لم يكن متوقَّعًا في رحلة البحث عن الراحة: رائحة الكتب القديمة. هذا العنصر الذي لطالما ارتبط بالحنين إلى الماضي، وبالأجواء الهادئة داخل المكتبات التقليدية، تبيّن اليوم أنه يمتلك تأثيرًا فعليًا وملحوظًا على الصحة النفسية.

الدراسة، التي أُجريت في جامعة بريطانية مرموقة على عيّنة من 350 مشاركًا تراوحت أعمارهم بين 18 و55 عامًا، هدفت إلى فهم العلاقة بين الروائح المألوفة وتنشيط مناطق معينة في الدماغ مرتبطة بالاسترخاء والذكريات الإيجابية. تمّ تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: الأولى تعرّضت لرائحة الكتب القديمة التي تمكّن الباحثون من استخراجها وتركيزها مختبريًا، فيما تعرّضت المجموعة الثانية لرائحة محايدة لا تحمل أي دلالة عاطفية.

نتائج مفاجئة… ورائحة ليست “عادية”
أظهرت النتائج أن المجموعة الأولى شهدت انخفاضًا في مستويات التوتر بنسبة وصلت إلى 23% بعد 15 دقيقة فقط من التعرض لرائحة الكتب القديمة. هذا الانخفاض ترافق مع تراجع في معدل ضربات القلب، وانخفاض مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر)، بالإضافة إلى شعور عام بالهدوء والتركيز.

ويشير الباحثون إلى أن رائحة الكتب القديمة ليست مجرد إحساس عطري، بل هي “مزيج كيميائي فريد” يتكوّن من مواد عضوية تنبعث من الورق والحبر مع مرور الزمن. أبرز هذه المواد مركّب يسمى الفانيلين، الذي يعطي أيضًا رائحة خفيفة تشبه الفانيلا، وهو ما قد يفسّر الشعور بالراحة والدفء النفسي.

الحنين… السلاح الخفي
إحدى النقاط اللافتة في الدراسة هي دور “النوستالجيا” أو الحنين إلى الماضي. فبحسب الباحثين، كثير من الناس يربطون رائحة الكتب القديمة بذكريات طفولتهم، أو بأوقات الهدوء أثناء الدراسة، أو بلحظات اكتشاف الروايات للمرة الأولى. هذه الذكريات تُرسل إشارات إيجابية للدماغ تُساهم في خلق حالة من الطمأنينة.

وأكدت الاختبارات العصبية باستخدام أجهزة تتبّع نشاط الدماغ (fMRI) أن المناطق المسؤولة عن الذاكرة العاطفية، مثل الحُصين (Hippocampus)، نشطت مباشرة بعد استنشاق الرائحة، وهو ما يعزّز الرابط بين الرائحة والانخفاض في التوتر.

هل يمكن استخدامها كعلاج؟
على الرغم من أن الدراسة لا تقدّم استنشاق رائحة الكتب القديمة كبديل للعلاج النفسي أو الأدوية، إلا أنها تشير بوضوح إلى إمكانية استخدامها كوسيلة مساعدة ضمن إطار العلاج بالروائح (Aromatherapy). ويقول الباحثون إن خطوة كهذه قد تكون مفيدة للأشخاص الذين يعيشون في بيئات عمل ضاغطة، أو للطلاب خلال فترات الامتحانات.

وقد بدأ بعض المختبرات بالفعل بالتفكير في إنتاج شموع عطرية أو روائح منزلية مستوحاة من رائحة الكتب القديمة، وهذا ليس أمرًا جديدًا بالكامل، لكنه الآن يكتسب زخمًا علميًا بدعم نتائج واضحة.

الكتاب الورقي… يعود بقوة؟
في سياق متصل، يرى عدد من المتخصصين أن هذه النتائج قد تفسّر جزئيًا عودة الإقبال على الكتب الورقية خلال السنوات الأخيرة بالرغم من انتشار الكتب الإلكترونية. فالتجربة الحسيّة للكتاب الورقي – من ملمس الصفحات إلى رائحتها – قد تكون جزءًا من عامل الراحة الذي يفتقده القارئ عند القراءة على الأجهزة الحديثة.

خلاصة
في عالم مليء بالضجيج والضغوط، يبدو أن أبسط الأشياء — مثل رائحة كتاب قديم — قادرة على إحداث فرق حقيقي في صحتنا النفسية. الدراسة الجديدة تفتح الباب أمام فهم أعمق لعلاقة الإنسان بالحواس، وتذكّرنا بأن الارتباطات العاطفية القديمة ما زالت تلعب دورًا مهمًا في تهدئة عقولنا، وربما في تحسين جودة حياتنا اليومية.

خبر عاجل