#adsense

“المسيرة” ذاكرة القوات ومنبر تحوّلات القضية

حجم الخط

المسيرة

تُعدّ مجلة المسيرة إحدى أبرز الدوريات الحزبية في لبنان، ومرجعًا مهمًا لدراسة خطاب القوى السياسية المسيحية خلال الحرب اللبنانية وما بعدها. فمنذ تأسيسها في منتصف الثمانينيات، شكّلت المجلة جزءًا من البنية الإعلامية للمقاومة اللبنانية، وتحوّلت مع مرور الوقت إلى منصة للتوثيق والتحليل السياسي، تعبّر عن توجهات “القوات اللبنانية” وتطوّرها التنظيمي والفكري.

أولًا: مرحلة التأسيس والوظيفة التعبوية (1984 – 1990)

ظهرت مجلة المسيرة في العام 1984 في ذروة الحرب اللبنانية، وفي سياق إعادة تنظيم الجهاز الإعلامي لـ”القوات اللبنانية”. واتّسمت هذه المرحلة بجملة من السمات أبرزها:

1. الوظيفة التعبوية: شكّلت المجلة أداة لتعزيز المعنويات ضمن بيئة المقاومة اللبنانية، ولتقديم صورة متكاملة حول المعارك والخيارات العسكرية والسياسية.

2. تشكيل خطاب حزبي متماسك: ساهمت المجلة في بلورة الهوية السياسية لـ”القوات اللبنانية”، عبر صياغة خطاب واضح يستند إلى مفهوم “الدفاع عن الوجود” داخل البيئة المسيحية.

3. توثيق أحداث الحرب: نشرت المجلة تقارير ميدانية ومواد تحليلية تُعدّ اليوم مصدرًا مهمًا لفهم التفاعلات العسكرية والسياسية في تلك المرحلة.

في هذه الحقبة، كانت المسيرة جزءًا من منظومة إعلامية مرتبطة بسياق صراع وجودي، ما منحها طابعًا تعبويًا وإعلاميًا مقاوِمًا.

 

ثانيًا: مرحلة ما بعد الحرب وإعادة تموضع الدور (1991 – 2005)

مع انتهاء الحرب وبداية مرحلة الوصاية السورية على لبنان، دخلت المجلة مرحلة إعادة التموضع. وعلى الرغم من الضغوط السياسية والأمنية التي طالت الحزب، وغياب العمل السياسي العلني لعدد كبير من قياداته، واصلت المسيرة صدورها بدورية شبه منتظمة.

أبرز سمات هذه المرحلة:

1. التحوّل من التعبئة إلى المعارضة: تحوّلت المجلة إلى منصة لانتقاد السياسات المرتبطة بالوصاية السورية، ولإبراز قضايا الاعتقال والإقصاء السياسي.

2. حضور سياسي رغم القيود: بقيت المجلة صوتًا معارضًا ضمن هامش ضيّق، مركّزة على الملفات الحقوقية وموثقةً ظروف التهميش الذي تعرّضت له القوى المسيحية.

3. تطوير المحتوى: اتجهت المجلة نحو تقديم مواد سياسية واجتماعية واقتصادية، مع المحافظة على موقف سياسي ثابت.

وبذلك، بقيت المسيرة إحدى أدوات التعبير السياسي القليلة في البيئة المسيحية خلال مرحلة ما قبل عام 2005.

 

ثالثًا: مرحلة العودة إلى الحياة السياسية (2005 – 2016)

شكّل خروج الجيش السوري من لبنان وإطلاق سراح الدكتور سمير جعجع نقطة تحوّل مفصلية في مسار المجلة. فقد استعادت المسيرة في هذه المرحلة جزءًا من دورها السياسي والإعلامي بوصفها:

منبرًا للمواقف الرسمية لـ”القوات اللبنانية” بعد عودتها إلى العمل السياسي.

وسيلة لتوثيق إعادة بناء الهيكل التنظيمي لـ”القوات اللبنانية” وعرض التحالفات التي تلت انتفاضة 14 آذار.

أداة للتحليل السياسي تتناول ملفات السيادة والسلاح غير الشرعي وبناء الدولة والاقتصاد.

وشهدت المجلة خلال هذه الفترة تحديثات في الشكل والمضمون، وازديادًا في حجم التحقيقات السياسية والتحليلات الاستراتيجية.

 

رابعًا: مرحلة التحوّل الرقمي وتراجع الصحافة الورقية  (2016 – 2020)

مع التراجع العالمي للصحافة الورقية وصعود الإعلام الرقمي، بدأت المسيرة تتحوّل تدريجيًا من دورية ورقية إلى منصة تحليل وتوثيق ضمن الفضاء الرقمي التابع للمؤسسة الإعلامية للقوات اللبنانية.

سمات هذه المرحلة:

الانتقال المتدرّج نحو الإعلام الإلكتروني مع انخفاض وتيرة الإصدارات الورقية.

تعزيز المحتوى التحليلي والتوثيقي بدل الخبر اليومي.

دمج الكوادر الإعلامية الشابة في عملية إنتاج المحتوى.

تحويل جزء كبير من الأرشيف التاريخي إلى مواد تُستخدم في النشاط السياسي والإعلامي الرقمي.

 

خامسًا: المسيرة اليوم – منصة تحليل وتوثيق (2020 – الحاضر)

لم تعد المسيرة تصدر وفق نموذج الصحافة الورقية التقليدية، لكنّها احتفظت بوظيفتين مركزيتين:

1. الوظيفة التحليلية: نشر مقالات سياسية معمّقة تعبّر عن الموقف الاستراتيجي لحزب “القوات اللبنانية” تجاه التطورات المحلية والإقليمية.

2. الوظيفة التوثيقية: الحفاظ على أرشيف واسع يضم مواد عن الحرب اللبنانية، ونشوء القوات، وتطوّر بنيتها التنظيمية، ومسار الشهداء، ومراحل أساسية من تاريخ لبنان المعاصر.

وتُستخدم مواد المجلة اليوم بوصفها مرجعًا أكاديميًا للباحثين في تاريخ الحرب اللبنانية والسياسة المسيحية بعد العام 2005.

 

خاتمة

تُظهر دراسة مسار مجلة المسيرة أنها لم تكن مجرّد دورية حزبية، بل وثيقة تاريخية حيّة تعكس التحوّلات السياسية والاجتماعية التي شهدها لبنان خلال الأربعين عامًا الماضية. فقد انتقلت من جهاز تعبوي خلال الحرب إلى منبر معارض في حقبة الوصاية، ثم إلى أداة سياسية بعد العام 2005، وصولًا إلى منصة تحليلية وتوثيقية في زمن الإعلام الرقمي.

ويمثّل هذا المسار نموذجًا لفهم تطوّر الإعلام الحزبي في لبنان ودوره في إنتاج السرديات السياسية، وصياغة الذاكرة الجماعية، وترسيخ الهوية داخل المجموعات السياسية المختلفة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل