أظهرت دراسة جديدة نتائج لافتة حول تأثير الأعمال المنزلية الخفيفة على الصحة النفسية، حيث خلص الباحثون إلى أنّ تنظيف المنزل لمدة 20 دقيقة يوميًا يمكن أن يقلّل مستويات التوتر بنسبة تصل إلى 23%. هذه النتيجة، التي جاءت بعد متابعة سلوك ومؤشرات صحية لمجموعة واسعة من المشاركين، تفتح الباب أمام فهم مختلف ودقيق للصلة بين النشاط المنزلي والتنظيم النفسي، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تعتبر الأعمال المنزلية مجرد واجب أو عبء يومي.
الدراسة التي أجرتها مجموعة من الباحثين في جامعة كولومبيا ركّزت على أشخاص يعيشون أنماط حياة متفاوتة، من العاملين لساعات طويلة إلى الطلاب وربات المنازل. وتم استخدام أجهزة قياس نبضات القلب، واستبيانات تقييم المزاج، وتحاليل مستوى هرمون الكورتيزول، بالإضافة إلى مقابلات شخصية لمعرفة كيف يؤثر تنظيف المنزل على الإحساس بالسيطرة، والنظام، والاسترخاء. المثير في النتائج هو أن المشاركين الذين التزموا بـ20 دقيقة فقط من التنظيف اليومي – سواء كان ترتيب غرفة، مسح الأسطح، أو طي الملابس – أظهروا تباطؤًا واضحًا في معدل ضربات القلب بعد فترة قصيرة، وتراجعًا ملحوظًا في مستويات التوتر مقارنة بأولئك الذين لم يمارسوا النشاط نفسه.
ورغم أن العديد من النظريات السابقة تحدثت عن أثر “تنظيم المكان” على “تنظيم العقل”، فإن هذه الدراسة قدمت دليلًا بيولوجيًا مباشرًا على هذا الارتباط. فالأعمال المنزلية، رغم بساطتها، تعمل كنوع من “النشاط الحركي ذو الإيقاع المستمر” الذي يحفّز الدماغ على إفراز مواد كيميائية مرتبطة بالراحة، مشابهة لتلك التي تنطلق أثناء ممارسة الرياضة الخفيفة. كما أن التركيز الجزئي المطلوب أثناء التنظيف يحدّ من الشرود الذهني والأفكار السلبية، ما يمنع دوامة القلق من التوسع.
أحد الجوانب اللافتة في الدراسة هو العامل النفسي المتعلق بالإحساس بالإنجاز. فحتى الأشخاص الذين يعانون من ضغوطات كبيرة في العمل أو الدراسة شعروا بأنهم “استعادوا السيطرة” على يومهم عندما قاموا بمهام صغيرة ومنجزة في المنزل. هذا الشعور بالسيطرة الذاتية يلعب دورًا أساسيًا في خفض التوتر، إذ يعطي إشارة للدماغ بأن الأمور “تحت السيطرة”، حتى لو بقيت الضغوط الخارجية على حالها.
إضافة إلى ذلك، يرتبط ترتيب المكان بتحسين جودة النوم وفق ما ذكره الباحثون. فالمشاركون الذين حافظوا على روتين التنظيف اليومي أفادوا بأن نومهم أصبح أعمق وأنهم يخلدون للنوم بسرعة أكبر. في المقابل، أكدت مجموعة أخرى من المشاركين ممن يعيشون وسط فوضى منزلية دائمة أنهم يعانون صعوبة في النوم وشعورًا مستمرًا بالتشتت. ويعزو الباحثون ذلك إلى أن الفوضى البصرية تخلق “ضوضاء ذهنية” تؤثر على قدرة الدماغ على الاسترخاء.
كما لاحظ الباحثون أن تنظيف المنزل يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة لدى العائلات التي شارك أفرادها في المهام، مما ساهم في تحسين العلاقات الأسرية وتقليل الخلافات المتعلقة بتنظيم المنزل. وحتى عند الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، فقد منحهم التنظيف اليومي شعورًا بالاستقرار العاطفي، خصوصًا أولئك الذين يعملون من المنزل ويقضون وقتًا طويلاً في نفس المساحة.
الدراسة تؤكد في النهاية أن تنظيف المنزل ليس مجرد روتين إجباري، بل ممارسة يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة لدعم الصحة النفسية. فلا يحتاج الفرد إلى ساعات طويلة أو مجهود شاق لتحقيق هذا التأثير؛ 20 دقيقة فقط من النشاط المنتظم تكفي لخلق بيئة مرتبة تُشعره بالطمأنينة، وتعزز قدرته على مواجهة ضغوط الحياة اليومية بثبات وهدوء.