Site icon Lebanese Forces Official Website

الزَّائر الأقدس.. لراهب سراج عنايا

ليلة ميلاد 24 كانون الأول 1898 نفناف الثَّلج وشاح رهباني أبيض يرونق موكب الموت وجلال الهاجع على شعر محبوك بعصي السنديان كنعشٍ مرتجلٍ يناسب المرور فوق كدسات ثلوجٍ كادت تلامس رؤوس أشجار السنديان. رهبان وعامة يسيرون على نصاعة ذلك الصَّقيع وعلى أكتافهم حبيس محبسة الوقوع ثلاث مرات تحت كأس قربان قداسه الأخير وأخوة الراحل يناجون أبواب الملكوت بروعة بساطة تلك الترنيمة الآرامية:

“نِتفتحون تَرعَيك أوريشلِم دالعِل”، لتنفتح أبوابك يا أورشليم العليا!

رئيس دير مار مارون عنايا الأب أنطونيوس حنا المشمشاني الغائب ذلك النهار عن ديره لواجب حضور تشييع بطريرك الموارنة يوحنا الحاج الدلبتاوي، وفور عودته من بكركي دخل قلاَّيته وأوقد سراجه ففاحت من زيته مسحة نبؤه دوَّنها على صفحة روزنامة الدير وكأنه يتنبَّأ:

“أنه في اليوم الرابع والعشرين من شهر كانون الأول 1898، توفي لرحمة الله تعالى الأب شربل بقعكفره الحبيس بداء الفالج وله من العمر 70 سنة برياسة القَسّ أنطونيوس مشمشاني. وما سيجريه بعد موته يكفي عن الإسهاب بحسن سيرته وبالأخص حفظ نذوره حتَّى نقول أنَّ طاعته ملائكية لا بشريّة”!

 

عنايا البابويَّة

بعد قديس تحرير الشعوب مار يوحنا بولس الثاني، وبعده بابا العقل المسكوني بنديكتوس السادس عشر، هذا هو المجيء  الثالث إلى مملكة بلاد تجلِّي الرب والأرز    للسليل المئتين والسَّبعة والستين من سلالة الصياد سمعان بطرس هامة رسل الابن عبر عنصرة الروح. زيارة قداسة لاوون الرابع عشر للبنان وشعب لبنان، هي تحقيق لخاتمة نبؤه الرئيس المشمشاني، لتأتي الزيارة البابوية الثالثة مِن بين أهم “ما أجراه شربل بعد موته”

الإثنين أول كانون الأول 2025 ها هو الراهب الأوغسطيني السَّالف “روبرت فرنسيس ميلوي” واصلٌ إلى جرد بلاد جبيل المعروفة بمملكة بيبلوس المتقرِّبة إسمًا ومعنى من البيبليا البشارة السَّارة. فوق سيلتقي الأوغسطيني بالراهب المعروف بشربل لبنان، كما سيلتقي بمعظم تاريخ وكيان ووزنات رهبانيته اللبنانية المارونية الشهيرة برهبانية القديسين. رهبانية نشأت في أرضٍ ارتبطت مساحتها الأرضية والسماوية بمساحة الجبين المرسَّم الحدود بأكليل الشوك. رهبانيَّة ذاقت من الاستشهاد ما ذاقته رعايا دياميس روما. إنَّها بين جميع الرهبانيات شرقًا وغربًا، الرهبانية التي اختارت أسمها وكنيتها من إسم وكنية وطنها، فلبنان هو شفيعها وقديّسها وقداستها. الإثنين البابوي في دير مار مارون عنايا سيأتي شاهدًا على عرسِ “قانا جبيلية”، عريسها بن مخلوف لم يعرف امرأةً كسيدته وملهمته مريم إبنة يواكيم التي لم تعرف رجلاً. بين قانا الجليل وعنايا الجليلة الماء، يتحوَّل خمرةً هي الأجود، والماء يتحوَّل زيتًا والسِّراج الشربلي يرتفع ويرفع معه المكيال إلى ذروة السَّير في نور الذي وحده هو النور. قداسة البابا لاوون الرابع عشر الرسول السابق لابن الأنسان في بلاد البيرو والذي طالما تجوَّل بين الأرياف البيروفية راكبًا على جحش ابن أتان، ستعرِّفه زيارة عنايا على يوسف اليتيم ابن مكاري بقاعكفرا العتيق أنطون زعرور مخلوف، فيقرأ في هذه المعرفة تاريخًا عثمانيًا كالحًا قاحلاً دام نيِّف وأربعمئة سنة أبطلت آخر مفاعيله وفعائلة وثيقة رهبانية وقَّعها قديس خبز جياع جبل لبنان، زمن مجاعة الإبادات العثمانية بالإعدام جوعًا الأب العام أغناطيوس داغر التنوري!

فور دخوله أعتاب عنايا وأقداسها فإنَّ جموع مستقبليه من أبناء الرعية اللبنانية سيتلمَّسون بالروح، والنظرات تشوَّق صاحب القداسة وتمنِّيه العميق لو عاش زمن مدرسة دير كفيفان ومعلمها الأب نعمة الله كساب الحرديني ومقعد روبرت فرنسيس بريفوست إلى جانب مقعد  تلميذ اللأهوت الأخ شربل مخلوف الآتي من رعاية الماشية وفلاحة البور ومغارة مريمه التي نافس الروح القدس على حبها وخطبتها. مَن غير الراهب شربل يمكنه تشويق قداسة البابا تشويقًا لبنانيًا يتمنَّاه المولود في مدينة شيكاغو الأميركية، وقد شوَّقه إليه سكن بين الصَّمت والصَّوم يواجه كل هذه الضوضاء الفكرية والعلمية والفلسفية والعقائدية واللاهوتية وحنجرة المعلِّم قد بُحَّت وهو يردد ويكرِّر ويعيد:

“طوبى للمساكين بالروح لأنَّ لهم ملكوت السَّماوات”.

“طوبى للودعاء فأنهم يرثون الأرض”.

“طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله”!!

 

” عظيمٌ هو بغيرِ حدٍّ وعالٍ بغير قياس”

هي آية من سفر آيات باروخ النبيِّ في عددها الخامس والعشرين، باروخ رفيق أرميا النبي ومرافقه ومدوِّن إلهاماته وخواطره ومعاناته، ولعلَّ الأب الأقدس سيرفعها إلى حبيس عنايا هديةً ومقياسًا.

شربل لبنان وقديس المسكونة، أليس هو المقياس المثالي المطلوب لدى يسوع عريس البيعة يقيس به قرب المسافة أو بعدها بين بيعته وأحبارها وبطاركتها وأساقفتها وكهنتها ورهبانيتها. يدا الأب شربل الرَّافعتين كاس قربان نشيد: “يا أبا الحق هوذا أبنك ذبيحة ترضيك “. هل هما      يا خليفة بطرس أقلُّ اصطيادًا وصيدًا من يدي سمعان بن يونا وصنَّارته وشبكته وقاربه. لعلَّ دير مار مارون عنايا يا أبانا الأقدس خبزًا كي تباركه وتكسره وتوزِّعه على كنائس المسكونة ومجامعها المسكونية، فلا تضيع مائدة العشاء السرّي بين جلبة موائد مخالفة لها خبزها لا يتحوَّل إلى جسدٍ للرب وخمرتها لا تُشرب دمًا مراقًا للحياة الأبدية،  وكثير من القائمين على حفظِ آنية الأفخارستيا أمست موائدهم و مآدبهم  عن مائدة ومأدبة: “خذوا كلوا هذا هو جسدي”!!

 

عنّايا التَّرتجاني الشهيد

مار مارون عنّايا أيها الأب الأقدس هو حقًا دير الدَّمين الأقدسين: دماء شربل العجيب ينضح بها جثمانه وبدلاته الكهنوتية المتبدِّلة، ونعوشه المستبدلة، وضريحه المنتقل من مكان إلى مكان. ولكنَّ نضح الدَّم الشربلي قد سبقه سفكُ دماء راهب سبقت إقامته في دير مار مارون عنايا إقامة أخيه شربل البقاعكفري. نعم وألف نعم يا قداسة البابا، إنَّ لبنان أكثر من وطن إنه تلك الوثيقة… وثيقة تاريخية مخطوطة داخل روزنامة دير مار مارون تدوِّن سيرة بسالة راهب من رهبان الدير اسمه الأخ اسكندر صادق التَّرتجاني، رفض إطاعة أمر رئيسه الأب ليباوس داغر التنوري الأول مغادرة الدير ذات أيام عصيبة خطيرة قاتلة، فصمد وحده يدافع عن ديره دفاع عساكر السماء في مواجهة أراكين الجحيم حتى سقط يوم 23 أيلول 1842 غاسلاً عتبة بوابة ديره بدمائه الرهبانية، مصليًا مسامحًا غافرًا لقاتليه غفران سيده المصلوب.

لأخوة الراهب الترتجاني يا أبانا الأقدس، أخوة رهبان شهداء دماؤهم القدسية تجايل أجيال رهبانيتهم المستشهدة عبر تقاطع أزمنة مضايق الوطن، ضيقاتها من دير مار جرجس دير جنين ودير مار جرجس عشاش شمالاً حتى دير سيدة مشموشة جنوبًا، دماء رهبانية لبنانية مارونية يستحقها مذبح القديس بطرس في حاضرة التطويب والتقديس. دماء تتآلف مع ما نزفه شعب لا ينطبق على سواه مثلما تنطبق عليه صفات آية: “لا تخف أيها القطيع الصَّغير فإنه حسن لدى سيدك أن يهبكَ الملكوت”.

دماء أهل لبنان ودماء رهبان لبنان هي موضوع مواضيع “الوطن الرسالة، وكل ما عداه هو خارج عن الموضوع مهما أبدع كتَّاب هكذا رسائل في بلاغة نصوص التَّعمية والتَّورية وتلبية آداب مجاملاتٍ فريسيَّة قد زادت صلباننا صلبانًا وأطالت جُمعات صلبنا العظيمة!!

 

قداسة أبينا الأقدس

طوال أيام الأول والثاني والثالث من كانون الأول، ستصغي حتمًا وتستمع إلى كميات من الكلمات الفائضة الجارية من أفواه ذوي الشّأن كالسواقي المتشعِّبة.

ولأن الرب يا صاحب القداسة قد كلَّمنا بالأمثال بسبب غلاظة أذهاننا، فإنَّ في بلادنا مثل عريق بليغ مختصر بهذه الكلمات الأربعة: “حكي سرايا وحكي قرايا”.. وحكي القرايا عفوي تلقائيٌّ والعفوي دائمًا هو الأصدق، وأما السرايا فهي تشمل الدين والدنيا بالتساوي..

يوم الإثنين الأول من كانون الأول ومن فوق جبل محبسة مار بطرس وبولس، ستتراءى لك أنطاكيا وسائر المشرق كما هي اليوم من دون زيادة ونقصان، وكلام القرايا للروح القدس الروح المعزي، ولأبون مار يوحنا مارون ولك يا خليفة كرسي  بطرس، كما في روما كذلك على كرسي أنطاكيا البطرسية!!!

 

أحد الزيارتين

أحد زيارة العذراء مريم لنسيبتها الحبلى في شيخوختها، كما هو أحد زيارتِك لبلاد الأرز الحبلى منذ صباها بمعظم مآسي الأمم ونكباتها ومؤتمراتها ومؤامراتها!

24 كانون الأول مساء الولادة المتتالية لابن الله في مزود إنسانيته!

24 كانون الأول 1898 مساء حمل شربل محبسته على كتفيه ليولدا معًا في  عنايا السماوية!

المجد لله في العلى، وفي زيارتك لنا المسرَّة… هلل هلل هللونوي.

إقرأ أيضًا

Exit mobile version