
مرة أخرى، تتحول شوارع لبنان إلى أنهار مع كل هطول غزير للأمطار، لتكشف عن واقع مرير تعيشه البلاد، بنى تحتية قديمة ومتهالكة، ونظام تصريف مياه غير قادر على استيعاب الكميات الهائلة من الأمطار، يضاف إليها تحدي النفايات المتراكمة. كل هذا، ينتج عنه مشهداً يتكرر سنوياً، لكنه هذه المرة جاء أكثر قسوة، يستدعي دق ناقوس الخطر حول ضرورة التحرك الفوري لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة.
الخبير في إدارة السلامة المرورية كامل إبراهيم، يشير عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى جملة من العوامل التي تضافرت لتخلق مشاهد الفيضانات التي شهدها لبنان مؤخراً، العنصر الأساسي كان الكمية الهائلة وغير المسبوقة لهطول الأمطار. هذه الكمية فاقت بكثير قدرة البنى التحتية الحالية على الاستيعاب، مما أدى حتماً إلى تجمع المياه في الشوارع وتحولها إلى سيول جارفة.
بحسب ابراهيم، فإلى جانب هذه الكثافة المطرية، يلعب عامل آخر دوراً لا يقل خطورة وهو النفايات المتراكمة داخل قنوات تصريف المياه. هذه النفايات تعمل كسدود تعيق حركة المياه الطبيعية، فتتجمع وتفيض لتغرق المناطق المحيطة، مشدداً على أن هذا الأمر يتطلب صيانة دائمة ومستمرة، لا سيما في “النقاط الضعيفة” التي تشهد تجمعاً متكرراً للمياه، مثل نفق المطار ومنطقة خلدة، والتي تعتبر بؤراً ساخنة للفيضانات مع كل شتوة.
يضيف ابراهيم: “معالجة هذه النقاط الضعيفة باتت ضرورة ملحة، وعلى الرغم من أن وزارة الأشغال العامة تؤكد أنها كلفت شركات مقاولة بتنظيف الأقنية، إلا أن هذا الإجراء “غير كافٍ”، إذ يجب أن تتحول عملية تنظيف الأقنية من مبادرة موسمية إلى عملية مستمرة ودورية لضمان فعاليتها على المدى الطويل.
يؤكد إبراهيم أن ما حدث مؤخراً ليس ناتجاً عن الإهمال وحده، بل هو مزيج من الإهمال وكميات الأمطار الهائلة التي فاقت التوقعات، ومع ذلك، فهو يحمل جزءاً من المسؤولية للمواطنين، مطالباً إياهم بـ”عدم رمي النفايات في الأماكن غير المخصصة”، لتخفيف الضغط على شبكات التصريف.
المشكلة الأعمق التي يطرحها الخبير إبراهيم، هي أن البنى التحتية في لبنان باتت قديمة جداً ولم تعد قادرة على استيعاب الكمية الهائلة من العمران والتوسع الحضري الذي شهده البلد على مر السنين، كما أن عملية التطوير هذه، ليست سهلة وتتطلب استثمارات ضخمة وتخطيطاً طويل الأمد. ويستشهد ابراهيم بمنطقة ضبية التي كانت تشهد فيضانات متكررة، حيث تم تطوير البنى التحتية فيها لمعالجة المشكلة، لكن التساؤل يبقى قائماً حول ما إذا كان هذا التطوير يتلاءم مع كميات أمطار أكبر، مثل تلك التي سقطت مؤخراً؟.
