
في لبنان، يُفترض أن المؤسسات العامة ملكًا لجميع المواطنين وتعمل تحت سقف الدستور، غير أنّ رئاسة مجلس النواب خرجت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من هذا المنطق لتتحوّل إلى موقع يعمل بأعراف سياسية خاصة تتقدّم فيها اعتبارات النفوذ على الوظيفة الدستورية. وفي صلب هذا التحوّل يقف الرئيس نبيه برّي، الذي نقل الدور من رئاسة تشريعية جامعة إلى مركز ثِقَل سياسي يتحكّم بمسار الدولة واستحقاقاتها الأساسية أكثر مما يعكس دور المجلس الطبيعي في خدمة النظام الديموقراطي.
منذ العام 1992، تكرّست رئاسة المجلس كمنصب خارج منطق التداول، لا بفعل الاستمرارية فقط، بل بفعل تراكم صلاحيات غير منصوص عليها أُضيفت عرفًا إلى الموقع، فأصبح التحكم بمواعيد الجلسات، وإدارة جدول الأعمال، وتأخير الاستحقاقات أو تسريعها، جزءًا من ممارسة الحكم. ومع الوقت، انتقل الموقع من وظيفة تنظّم الحياة الدستورية إلى وظيفة تملك القدرة على ضبطها، بحيث باتت الجلسة تُعقد أو تُعلّق بناءً على اعتبار سياسي لا دستوري، وبات النصاب أداة إدارة للأزمة لا أداة في خدمة الدستور.
هذا التحوّل ظهر بوضوح عند كل استحقاق مفصلي. شهد اللبنانيون فراغين رئاسيين امتدّ كل منهما لأكثر من سنتين، بفعل تعطّل جلسات الانتخاب واستعمال النصاب كسلاح تفاوضي إلى أن تتوافق التسوية مع ميزان قوى محدّد. وشهدوا مراراً أيضًا مرحلة أُقفل فيها المجلس بالكامل لأشهر طويلة خشية تمرير قانون لا يخدم مصالح الفريق الحاكم آنذاك. وفي وقت أقرب، ظهر التعطيل في رفض إدراج اقتراح تعديل قانون الانتخابات، على الرغم من توقيع 67 نائبًا عليه، فقط لأنه يمسّ معادلة التمثيل داخل بيئة سياسية يحرص الثنائي على إبقاء السيطرة عليها محصورة ومضبوطة. وهكذا بات المجلس رهينة قرار سياسي يحدّد ما يدخل إلى الهيئة العامة وما يبقى في الأدراج، ما جعل التعطيل نمط حكم لا وسيلة اعتراض.
ينسحب هذا السلوك على تشكيل الحكومات، بحكم الأمر الواقع، حيث تحوّلت عملية التأليف إلى مساحة تفاوض لانتزاع ضمانات سياسية، مرّة تحت عنوان الميثاقية، ومرّة تحت عنوان “الحقوق المكتسبة”، ومرّة عبر اشتراط الثلث المعطّل، ومرة عبر تكريس وزارة المالية كعرف دائم يربط توقيع الدولة المالية بجهة سياسية بعينها. النتيجة كانت حكومات تتأخر شهورًا طويلة، لا لأن اللبنانيين مختلفون حول برنامج أو رؤية، بل لأن توزيع الحقائب يجب أن يمرّ عبر معادلة تضمن أن تُحصّل المنظومة حصتها كاملة قبل أن ترى الدولة النور.
كل ذلك يُغلَّف بخطاب ميثاقي ووطني، لكن النتيجة العملية واحدة: استحقاقات وطنية أساسية، انتخابات رئاسية، تشكيل حكومات، إصلاحات اقتصادية وتشريعية، تُدار انطلاقًا من حسابات ضيقة، وتُجمَّد ما لم تتوافق مع مصالح فريق سياسي محدّد. هنا لا يعود الحديث عن طائفة أو مكوّن، بل عن نمط في ممارسة السلطة يرى الدولة مساحة نفوذ قبل أن يراها دولة مواطنين.
إلى جانب هذا السلوك الداخلي، تكشف الملفات السيادية تناقضًا إضافيًا بين الخطاب والممارسة. فقد قدّم برّي نفسه لسنوات بوصفه المفاوض الحريص على حقوق لبنان في ترسيم الحدود البحرية، لكنّ حصيلة الاتفاق النهائي جاءت موضع اعتراض واسع بسبب ما اعتُبر تنازلات أساسية صبّت في مصلحة إسرائيل، فيما قُدّم الاتفاق للرأي العام على أنه إنجاز وطني مكتمل، من دون نقاش جدّي حول خياراته وحدوده. وخلال حرب 2024، اتُّخذ قرار الدخول في المواجهة مع إسرائيل من خارج المؤسسات الدستورية، قبل أن تنتقل الأمور إلى مفاوضات غير مباشرة أفضت إلى صيغة وقف أعمال عدائية تُقيّد الدولة أكثر مما تمنحها القدرة على بسط سيادتها الكاملة. ومع مرور الوقت، تحمّلت الدولة كلفة خيارات لم تكن شريكة فعلية في اتخاذها، في حين قُدّم الاتفاق بوصفه “خيارًا وطنيًا إلزاميًا”. وبهذا، بدت الدولة في موقع “المتلقّي” لنتائج مفاوضات لم تُمسك بمفاتيحها، فيما احتُكر القرار في يد قوة أمر واقع تعاملت مع ملفات على مستوى مصيري بوصفها شأنًا فصائليًا لا شأنًا سياديًا.
هذه المفارقة، بين الخطاب الوطني والنتائج العملية، تكرّرت في أكثر من محطة سيادية. فالرجل الذي عارض اتفاق 17 أيار في العام 1983 بحجة حماية السيادة، وجد نفسه في العقدين الأخيرين شريكًا في خيارات كبرى أثارت نقاشًا واسعًا حول جدواها ونتائجها، وحول ما إذا كانت المصلحة الوطنية فعلًا هي المحرّك الأول لتلك الخيارات أم اعتبارات المحور السياسي الذي ينتمي إليه.
مع مرور الزمن، أصبح النقاش حول دور رئاسة مجلس النواب شبه محرّم سياسيًا، تمامًا كما هو الحال في نقاش السلاح الخارج عن الدولة. كل مساءلة تُواجَه بخطاب التخويف من الفتنة أو التخوين السياسي، وكأنّ الاقتراب من هذا الملف مسّ بثابت وطني. لكنّ دولة تُمنع من مراجعة أدوار مؤسساتها لا يمكن أن تستعيد توازنها. ومع أنّ الهدف ليس المسّ بشخص أو طائفة، فإن إعادة رئاسة المجلس إلى موقعها الدستوري الطبيعي، كمؤسسة تنظّم التشريع، لا كمركز تحكّم سياسي، عملية ضرورية في سياق استعادة انتظام الحياة السياسية.
المسألة ليست “من” يشغل الموقع، بل “كيف يُمارَس” الموقع. حين تُدار مؤسسة دستورية وفق أعراف فوق دستورية، تصبح المراجعة ضرورة إصلاحية لا خصومة سياسية. فالدولة لا تُبنى إلا حين تُعاد السلطة إلى المؤسسات لا إلى الأفراد، وحين تخضع المواقع الكبرى لمنطق المساءلة والتداول، لا لمنطق الاحتكار والاستثناء.
لن يخرج لبنان من أزمته ما لم تُستعاد المؤسسات إلى حجمها الطبيعي: كبيرة بمسؤوليتها، محدودة بسلطتها، خاضعة لرقابة شعبها. وعندما تُعاد رئاسة مجلس النواب إلى دورها الأصلي، بوصفها بوابة التشريع لا بوابة المحاور، يمكن للبنانيين جميعًا، من دون استثناء، أن يعودوا إلى دولة واحدة، قانون واحد، ومؤسسات تعمل لمصلحة وطن لا مصلحة محور. فلا قيام لدولةٍ طبيعية ما دامت مؤسسة دستورية واحدة تُمسك برقاب المؤسسات الأخرى، ولا سيادة لشعبٍ تُختطف إرادته عند بوابات الأعراف التي صارت أقوى من النصوص الدستورية.
