Site icon Lebanese Forces Official Website

الرسم العشوائي يعزّز الذاكرة طويلة المدى

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الرسم العشوائي، أو ما يُعرف بـ Doodling، ليس مجرد عادة جانبية يقوم بها الأشخاص أثناء الاجتماعات أو المكالمات الطويلة، بل قد يكون أداة فعّالة لتعزيز الذاكرة طويلة المدى وتحسين القدرة على استيعاب المعلومات. لسنوات طويلة، كان يُنظر إلى هذه الرسومات البسيطة على أنها علامة على عدم التركيز، إلا أن العلم بدأ يكشف الجانب الآخر منها: أنها في الواقع تساعد الدماغ على البقاء متيقظًا، وتحسّن معالجة المعلومات، وتدعم الاحتفاظ بها على المدى الطويل.

الفكرة الأساسية وراء هذا التأثير تكمن في أن الدماغ البشري لا يحبّ الفراغ الذهني. عندما يكون الإنسان في موقف يحتاج فيه للاستماع دون أن يكون نشطًا بشكل كامل—مثل حضور اجتماع مطوّل أو درس نظري—يميل العقل إلى الشرود. هذا الشرود قد يُشتّت الانتباه ويقلّل من قدرة الدماغ على تخزين المعلومات الجديدة. هنا يأتي دور الـ Doodling. فالرسم العفوي يعمل كـ”مُثبّت” للانتباه، يمنع الذهن من الانجراف إلى أفكار جانبية، ويُبقي الشخص في حالة وعي معتدل، مما يسمح باستيعاب أكبر للمعلومات دون بذل جهد إضافي.

إحدى الدراسات الشهيرة التي أُجريت في جامعة بليموث في بريطانيا، شملت مجموعة من المتطوّعين طُلب منهم الاستماع إلى رسالة صوتية طويلة. نصفهم كان يرسم أشكالًا عشوائية أثناء الاستماع، والنصف الآخر لم يرسم شيئًا. بعد انتهاء التجربة، طُلب من الجميع تذكّر أكبر عدد من التفاصيل. النتيجة كانت مفاجِئة: المشاركون الذين قاموا بالرسم العشوائي تذكّروا معلومات أكثر بنسبة وصلت إلى 29% مقارنة بالآخرين. هذا التفوّق في الذاكرة يشير إلى أن الـ Doodling يُنشّط مسارات إدراكية تساعد على تحسين التشفير (Encoding) داخل الدماغ، وهي العملية التي يتم من خلالها تحويل المعلومات إلى ذكريات مستقرة.

يتفق علماء النفس المعرفي على أن الرسم العشوائي يحفّز شبكة واسعة من المناطق الدماغية، مثل تلك المسؤولة عن الإبداع، والتخيّل، والحركة الدقيقة لليد. هذا التفاعل المتعدد بين الحواس والحركة يُسهم في تثبيت المعلومات بشكل أقوى مما لو كان الشخص يعتمد على السمع فقط. كما أن الرسومات العفوية تعمل أحيانًا كروابط بصرية تساعد على تذكّر الأفكار لاحقًا، حتى إذا لم تكن الرسومات مرتبطة مباشرة بالمحتوى الذي يسمعه الشخص.

أهمية الـ Doodling لا تتوقف عند تحسين الذاكرة فحسب. فهو يُستخدم اليوم كوسيلة لتخفيف الضغط العصبي، وتنظيم التفكير، وزيادة القدرة على حل المشاكل المعقّدة. الكثير من المدرّسين والمدرّبين بدأوا يشجّعون المتعلمين على استخدامه أثناء المحاضرات، لأنه يساعد في الحفاظ على انتباه مستمر دون استنزاف نفسي. حتى في بيئات العمل، بدأ المدراء يدركون أن الشخص الذي يرسم أثناء الاجتماع ليس بالضرورة غير مبالٍ؛ بل قد يكون أكثر تفاعلًا مما يبدو.

وفي سياق الذاكرة طويلة المدى، يُعتقد أن الرسم العشوائي يساعد على خلق “مرتكزات ذهنية” تبقى مترسّخة مع الوقت. فعندما يرسم الشخص خطوطًا، دوائر، أو أشكالًا غير مقصودة، قد يرتبط ذلك بحالة ذهنية محددة، وبمعلومات سمعها في تلك اللحظة تحديدًا. هذا الربط بين الحركة والمعلومة يساهم في بقاء الذكريات لفترة أطول.

في عالم مليء بالمشتتات وازدحام المعلومات، يبدو أن هذه العادة البسيطة التي يمارسها الكثيرون دون تفكير يمكن أن تكون وسيلة قوية لتحسين أداء الدماغ. الـ Doodling ليس مضيعة للوقت كما كان يُعتقد، بل أداة طبيعية وغير مجهدة تُنشّط العقل وتدعم الذاكرة، خصوصًا في المهام التي تتطلب متابعة طويلة. قد يكون من المفيد إعادة النظر في هذه العادة، ليس كتشتيت، بل كاستراتيجية ذكية لتعزيز التعلم والتذكّر.

Exit mobile version