في خضم التطورات الحاصلة والمخاوف من توسع الحرب على لبنان، أطل نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب بموقف أجمع مختلف المراقبين على أنه يثير الكثير من الاستغراب، خصوصاً في هذه اللحظة بالذات، لكونه لا يصبّ سوى في مصلحة السردية الإسرائيلية والذرائع التي تقدمها للمجتمع الدولي للتصعيد باتجاه لبنان. قال الخطيب: “ليس هناك من دولة.. نحن نريد دولةً.. نريد أن تتحقق هذه الدولة وأن توجد وأن تخفف عمّا نقوم به بديلاً عنها. نحن بديل عنها لأنها ليست موجودة، نحن نريدها أن تكون موجودة”.
الكاتب السياسي قاسم يوسف، يعبّر عن استغرابه الشديد لموقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ويقول لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “موقف الشيخ علي الخطيب مستغرب جداً، إنما هو في الوقت ذاته متوقع، بمعنى أن هذا هو الموقف الحقيقي. كانوا يعبّرون عن مواقف مختلفة تماماً، لكن هذا موقفهم الحقيقي. “الحزب” و”الثنائي الشيعي” بشكل عام، لا يعترفون بوجود دولة ولا جيش ولا مؤسسات، ويتصرفون على هذا الأساس. إنما الرد على الشيخ الخطيب أتى من أعلى مرجعية شيعية في العالم، من المرجع علي السيساني”.
يوسف يلفت، إلى أن “المرجع السيستاني أرسل رسالة إلى إيران طلب فيها بشكل واضح ترك شيعة لبنان وإخراجهم من أتون الحروب ومن زوبعة كبيرة قد تبدأ في لبنان وقد لا تنتهي، بعد مسيرة طويلة من المكابدة والدخول في حرب الآخرين، ومن تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إيران وأميركا وبين إيران وإسرائيل، وبالتالي، الرد الطبيعي على الشيخ الخطيب هو هذا الرد”.
لكن يوسف يشدد، على أن “الرد المباشر لا بد أن يأتي من الدولة اللبنانية نفسها ومن كل المسؤولين، وتحديداً من رئيسَي الجمهورية والحكومة، على كلام الشيخ الخطيب بأن الدولة غير موجودة وبأن “الحزب” موجود لأن الدولة غير موجودة، وهذا غير صحيح؛ أولاً، لأن السبب الأساسي في عدم قيام الدولة وعدم بسط سلطتها وعدم قوتها هو وجود “الحزب”، ووجود هذا النزاع الكبير بين إيران وأميركا من جهة وبين إيران وإسرائيل من جهة ثانية، و”الحزب” هو أداة إيرانية تتصرف في الواقع اللبناني انطلاقاً من مصلحة إيران، وبالتالي، هذا ما يمنع قيام الدولة بشكل حقيقي”.
أسئلة أساسية يطرحها يوسف في هذا السياق: “من كان يمنع الدولة من توقيف نوح زعيتر أو غيره على سبيل المثال؟. من كان يمنع الدولة من الوجود في جنوب الليطاني؟. من كان يمنع الدولة من التحرك بشكل طبيعي ومن قتل الضابط الطيار في الجيش سامر حنا لأن مروحيته حلَّقت فوق موقع يتدرّب فيه “الحزب”؟.
يوسف يؤكد، أن “ذاكرة اللبنانيين حية، والجميع يذكر أن “الحزب” مارس بشكل مباشر وواضح ومن دون قفازات أو غطاء أو حجاب أمام كل اللبنانيين وأمام العالم، لعبة القضم الممنهج لسلطة الدولة وسيادتها على أرضها وقال “أنا الآمر الناهي”. إن كان في قرار الحرب والسلم، اتخذ “الحزب” القرار من دون أن يستشير أحداً، لا مجلس النواب ولا الحكومة ولا الرؤساء الثلاثة ولا أحد، بإسناد غزة!. فكيف تكون هناك دولة إذا كنت تريد وتعلن الحرب على دولة أخرى من دون أن تأخذ رأي اللبنانيين ولا رأي الدولة ولا رأي المسؤولين؟”.
يضيف يوسف: “هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة وحكومة ومجلس نواب لم يسألهم أحد، وقرَّر السيد حسن، طبعاً بأوامر إيرانية مباشرة، فتح جبهة الجنوب لحرب “طويلة عريضة” مع إسرائيل. بالتالي، من يمنع قيام الدولة في لبنان؟، حزب “الكتائب” أو “القوات اللبنانية”؟!. “الحزب” وبشكل واضح وممنهج ومباشر هو من يمنع قيام الدولة، وهذه منهجية ممتدة بدأها منذ سنوات طويلة، أقله منذ العام 2005، في هدم ما تبقى من سلطة الدولة في لبنان، وفي القبض الكامل على المفاصل السياسية والأمنية والعسكرية والقضائية في البلد كلها”.
يتابع: “الحزب حوَّل البلد والشعب اللبناني برمّته إلى رهينة في يده ويد إيران، ويذكر الجميع أن إيران قالت بكل وضوح إنها أصبحت تمتلك أكثرية في مجلس النواب اللبناني، وتصريح المسؤول في الحرس الثوري الإيراني أن إيران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية ومن ضمنها بيروت. وبالتالي نعم، الذي قوَّض سلطة الدولة في لبنان ومنع الجيش والقوى الأمنية والمؤسسات الشرعية من لعب دورها الطبيعي، هو “الحزب” بشكل مباشر، مرة بالترهيب ومرة بالترغيب ومرة بقوة السلاح”.
يوسف يشير، إلى أن “الجميع يذكر “7 أيار” و”إعلان بعبدا”، هذا الإعلان الذي وقَّع عليه “الحزب” من خلال النائب محمد رعد والذي ينص على مبدأ الحياد والنأي بالنفس، ثم بعد ساعات أو أيام قليلة قالوا “انقعوا هذا الإعلان واشربوا مَيّتو”!. المشكلة الكبرى أن “الحزب” يأتمر بأمر إيران، وأنه حزب لا يمتلك قراره الذاتي ولا يتصرف من مصلحة لبنانية خالصة، إنما انطلاقاً من أوامر ومصلحة إيرانية مباشرة، لكي تبقى إيران موجودة في خاصرة إسرائيل ولها وجود على البحر المتوسط، ولها قدرة على تحريك أي وضع أمني أو عسكري أو سياسي لتحسين أوراق تفاوضها مع أميركا ومع إسرائيل في المرحلة المقبلة”.
يوسف يؤكد، أن “هذه هي المعادلة كلها. الشيخ علي الخطيب يحاول أن يذرّ الرماد في العيون، ويحاول أن يضلّل الشيعة أولاً واللبنانيين ثانياً ويقول إنه، ليس هناك دولة وبالتالي “الحزب” موجود لأن ليس هناك دولة، وهذا كلام غير صحيح ومردود عليه؛ من ساهم وعمل بشكل مستمر ودائم بلا انقطاع على تقويض سلطة الدولة وعلى تحطيمها وتكسير أذرعها والرقص على أطلالها، هو “الحزب”، الذي يستمر بهذه المعادلة حتى الآن”.
يتابع: “كلنا يذكر وفيق صفا وغيره كيف هددوا المحقق العدلي في قضية مرفأ بيروت، وكيف هاجموا الثورة بعد 17 تشرين واعتدوا على المتظاهرين الذين حوَّلهم السيد حسن إلى مشروع إسرائيلي، وقبلها كيف قوَّضوا المحكمة الدولية وحوّلوا المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى قديسين، وكيف كانوا يغطون في بعلبك الهرمل سارقي السيارات وتجار المخدرات ومصانع الكبتاغون ولم تكن الدولة قادرة حتى على الدخول إلى هذه المنطقة، في وقت، حين أصبح هناك دولة أو حد أدنى من دولة، أوقف نوح زعيتر”.
يوسف يشدد، على أنه “حين يرفع “الحزب” يده عن الدولة تقوم بعملها بشكل مباشر. “الحزب” يمنع الدولة من القيام بمسؤولياتها ويهدد بشكل دائم أن أي مسّ بوضعيته أو جماعته قد يعرّض البلد لحرب أهلية. بالتالي، هناك إطباق شبه كامل من “الحزب” على الدولة على مدى أقله 20 سنة، حيث يمنعها من ممارسة دورها بالقوة، قوة الأمر الواقع وقوة السلاح، وعلى الشيخ علي الخطيب أن يراجع هذه المعطيات والوقائع والمعلومات كلها، وأن يتحدث إلى اللبنانيين بالصيغة نفسها التي تحدث بها المرجع السيستاني، أنَّ لبنان اكتفى والشيعة اكتفوا من حروب الآخرين في أرضهم، وحان الوقت ليكونوا تحت سقف الدولة وجناحها وضمن شروطها، ولنكن جميعاً مواطنين طبيعيين في دولة طبيعية تحتمي بجيشها وبقواها الأمنية وتستظل بمؤسساتها الدستورية الشرعية، من رئاسة الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة، ويكون هدفها الأول والأخير لبنان وليس مصلحة أي طرف آخر”.

