#adsense

المشي البطيء يحسّن المزاج؟

حجم الخط

تشير أبحاث حديثة في علم النفس العصبي إلى أن المشي البطيء—وليس السريع كما هو شائع—يمكن أن يكون له تأثير أقوى على تحسين المزاج وتهدئة الجهاز العصبي. فبينما يُنظر عادةً إلى المشي السريع كوسيلة لحرق السعرات وتنشيط الجسم، تبيّن أن الإيقاع البطيء والمتوازن يعزّز الصحة النفسية عبر آليات دقيقة في الدماغ والجسم، تجعله واحدًا من أبسط أشكال “العلاج الطبيعي” للتوتر والضغط اليومي.

الفكرة الأساسية وراء هذا التأثير هي أن المشي البطيء يفعّل ما يسمّى بـ الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، وهو الجزء المسؤول عن تهدئة الجسم واستعادة توازنه بعد فترات الإجهاد. فعندما يمشي الإنسان بوتيرة هادئة، يبدأ التنفس بالانتظام تلقائيًا، وتنخفض ضربات القلب تدريجيًا، ما يرسل إشارات للدماغ بأن الوضع آمن ولا حاجة لحالة “القتال أو الهروب” التي يولدها التوتر. هذا الانتقال الفسيولوجي من حالة التوتر إلى حالة الاسترخاء ينتج عنه تحسّن واضح في المزاج خلال دقائق.

كما أشارت دراسة أجرتها جامعة سوانسي البريطانية إلى أن المشي ببطء لمدة 20 دقيقة يوميًا يساعد على انخفاض مستويات القلق بنسبة ملحوظة مقارنة بالمشي السريع. قام الباحثون بقياس التغيرات في نشاط الدماغ ونبضات القلب قبل وبعد المشي، ولاحظوا أن الإيقاع البطيء جعل المشاركين يدخلون في حالة ذهنية تشبه التأمل المتحرك، حيث يصبح التركيز منصبًا على الخطوات والتنفس، ما يساهم في تهدئة التفكير الزائد وتخفيف الضغط النفسي.

المشي السريع يحفّز الجسم على العمل بطاقة أعلى، ما قد يزيد من إفراز الأدرينالين، وبالتالي لا يمنح الدماغ فرصة لاستعادة هدوئه. أما المشي البطيء، فهو يسمح للشخص بأن يكون حاضرًا ذهنيًا، يلاحظ ما حوله، يتنفس بشكل أفضل، ويستمتع باللحظة. هذه الحالة الذهنية تُعرف في علم النفس بـ اليقظة الذهنية (Mindfulness)، وهي أسلوب مثبت علميًا في تحسين المزاج وتخفيف القلق وحتى معالجة بعض اضطرابات المزاج.

أحد الجوانب المثيرة للاهتمام هو أن المشي البطيء يجعل الشخص أكثر حساسية للمحيط من حوله. فبدلًا من التركيز على الوصول من نقطة إلى أخرى، يبدأ الدماغ بتسجيل التفاصيل: شكل السماء، حركة الأشجار، أصوات الطيور، وحتى ضوء الشمس. هذه التفاصيل الصغيرة تُعد محفّزات حسية قادرة على رفع مستويات السيروتونين، وهو الهرمون المسؤول عن الشعور بالراحة والسعادة. لذلك، يشعر الكثيرون بتحسّن مزاجي فوري بعد جولة قصيرة من المشي البطيء في مكان طبيعي.

كما أن المشي الهادئ يساعد على تقليل حدة الأفكار السلبية. عند المشي بسرعة قد تستمر الأفكار المتوترة بالسيطرة، لأن الجسم يكون في حالة نشاط عالٍ. لكن عند المشي ببطء، يصبح من الأسهل تهدئة الحوار الداخلي، وإعادة تنظيم الأفكار، وحلّ المشكلات بطريقة أكثر هدوءًا. بعض الأطباء النفسيين يصفون المشي البطيء كبديل عملي لجلسة استرخاء قصيرة، لأنه يجمع بين الحركة الخفيفة والتنفس العميق.

الدراسات تؤكد أيضًا أن المشي البطيء مفيد للأشخاص الذين يعانون من الإرهاق الذهني. فبدلًا من ارهاق الجسم بممارسة رياضة قوية، يمنحهم المشي الهادئ فرصة لإعادة شحن طاقتهم من دون ضغط إضافي. وبحسب باحثين أميركيين، فإن المشي على وتيرة بطيئة لمدة 10–20 دقيقة يمكن أن يحسّن المزاج أكثر مما تفعله التمارين القوية في بعض الحالات، خصوصًا لدى الأشخاص المنهكين نفسيًا.

في النهاية، يبدو أن الحل لتحسين المزاج ليس بالضرورة في الجري السريع أو تمارين مكثفة، بل في خطوات بطيئة، واعية، وتنفس منتظم. المشي البطيء ليس مجرد حركة بسيطة، بل ممارسة ذهنية وجسدية متكاملة قادرة على إعادة توازن الجهاز العصبي، ورفع مستويات السعادة، وتخفيف القلق بطريقة طبيعية وسهلة. إنها دعوة للتهدئة، لالتقاط الأنفاس، وللسير بطريقة تجعل العالم يبدو أكثر لطفًا.

خبر عاجل