الشحرورة صباح كانت مهرجانًا دائمًا للبهجة، تُفرِح نفسها وتُفرِح الآخرين معها! وربما تلك كانت رسالتها التي وعتها تمامًا في حياتها… اليوم تحلّ ذكرى رحيل صاحبة الصوت العذب الذي جاب العالم من الشرق إلى الغرب، وهي تبقى في وجدان الملايين اسمًا على مسمّى، أي صباحًا مشرقًا ورمزًا للجمال والشباب والدلال والفرح وحبّ الحياة.
هذه الذكرى لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام لدى الدائرة الثقافية في جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”.
وُلدت جانيت جرجي فغالي في 10 تشرين الثاني 1927 في بلدة بدادون، وكانت المولودة الثالثة بعد جولييت ولمياء، أما الرابع فهو شقيقها أنطون. في المدرسة كانت تشارك في المسرحيات، وأدّت دور “الأميرة هند”. وقد اصطحبها والدها إلى مصر حيث أنتجت لها المنتجة السينمائية اللبنانية الأصل فيلمها الأول “القلب له واحد” مع أنور وجدي، ثم “هذا ما جناه أبي” مع هند رستم، و”أوّل نظرة” مع برهان صادق وجورج شماس، وكرّت السبحة.
أكملت صباح مشوارها السينمائي عبر 84 فيلمًا بين مصر ولبنان، آخرها “ليلة بكى فيها القمر” مع حسين فهمي عام 1982. نجاح صباح أفرح قلب آسيا التي عرّفتها إلى أهمّ الملحنين مثل رياض السنباطي وزكريا أحمد وفريد غصن.
اشتهرت صباح بأداء الأغنية الفولكلورية اللبنانية، إذ بدأت في غناء هذا اللون وتحديدًا أبو الزلف والمواويل والفولكلور. وقدّمت إثر ذلك أغنية فولكلورية بعنوان “هويدا هويدا لك” فحقّقت نجاحًا كبيرًا. وازدهرت الأغنية الشعبية في لبنان حتى وصلت إلى مصر، واستعانت بملحنين مهمين لإطلاق الأغنية اللبنانية مثل فريد الأطرش ومحمد الموجي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي وسواهم من الكبار. وقدّمت ألواناً غنائية متنوّعة مثل “ساعات ساعات” و”أخدوا الريح” و”اتهموني” وأغانٍ وطنية مهمة. وفي المحصّلة غنّت صباح ما لا يقلّ عن 3500 أغنية.
حقّقت صباح كل ما أرادته، حتى إنها اعتلت أهم المسارح العالمية وظهرت على شبكات تلفزيونية مهمة، مثل البرنامج الأميركي الشهير “60 دقيقة” الذي كان يصعب على أي فنان الوصول إليه.
وقفت بين أعمدة بعلبك وشاركت في المهرجانات ضمن مسرحيات غنائية أبرزها “موسم العزّ” و”دواليب الهوا” للأخوين رحباني في الستينيات. وكانت بطلة مسرحيات “وادي شمسين” و”الأسطورة” والاستعراض “هالو كايرو” في مصر.
اشتهرت صباح بتعدّد زيجاتها، ومعظم أزواجها كانوا معروفين في الأوساط السياسية والفنية: النائب جو حمود، والممثل رشدي أباظة، ووسيم طبارة، والعازف المصري أنور منسي، وفادي لبنان… ولها ابنان: صباح وهويدا.
نالَت صباح تكريمًا في كل مكان. ففي لبنان كرّمها الرئيس كميل شمعون ثم الرئيس شارل الحلو، ومنحها وسام الأرز، وأُطلق اسم “الشحرورة” على ساحة ضيعتها. أما مصر فكرّمتها ثلاث مرات كان آخرها عام 2001 حين نالت درعًا تكريمية خلال الدورة السابعة لمهرجان القاهرة الدولي للأغنية، إضافة إلى منحها الجنسية المصرية في عهد الرئيس أنور السادات. كذلك منحها العاهل الأردني الراحل الملك حسين أربعة أوسمة والجنسية الأردنية، وكرّمها الرئيس السنغالي السابق، كما مُنحت الجنسية الأميركية أيضًا.
بقيت حتى آخر يوم من حياتها تشرق كالشمس، مستمدة قوّتها من حبّ الناس. سرّها طيبةٌ وإيمانٌ لا يتزعزعان، وصفاءٌ داخليّ كان سلاحها في مواجهة مسؤوليات كثيرة وهموم بوزن الجبال.
في مثل هذا اليوم من عام 2014، رحلت صباح عن عمر ناهز 87 عاماً، لكن “الدائرة الثقافية” تؤكّد أن صوتها سيبقى يجوب العالم، ويبثّ التفاؤل والأمل.
.jpg)