Site icon Lebanese Forces Official Website

الطهي في المنزل 4 مرات أسبوعيًا يقلّل التوتر

تشير دراسات حديثة في مجالي علم النفس والسلوك الغذائي إلى أن الطهي في المنزل ليس مجرد نشاط يومي لإعداد الطعام، بل ممارسة ذات تأثير عميق على الصحة النفسية والجسدية. وبحسب بحث صدر عن مجموعة من الجامعات الأميركية والبريطانية، فإن الأشخاص الذين يطبخون في منازلهم ما لا يقل عن أربع مرات أسبوعيًا ينجحون في خفض مستويات التوتر لديهم بنسبة تقارب 25%. هذا التأثير لم يعد يُنظر إليه كتحسّن مزاجي بسيط، بل أصبح موثقًا كأحد أشكال “العلاج السلوكي” الذي يحفّز الدماغ على الاسترخاء، التنظيم، والشعور بالسيطرة والإنجاز.

أول ما يوضحه الخبراء هو أن الطهي نشاط يجمع بين الحركة، التركيز، والإبداع. هذه العناصر الثلاثة تعمل معًا على تنشيط الجهاز العصبي بطريقة مشابهة لأنشطة التأمل أو الفنون. فعندما يبدأ الشخص بتقطيع الخضار، ترتيب المكونات، أو خلط النكهات، فإن دماغه يتحول تدريجيًا من حالة التفكير المستمر في مشاكل الحياة اليومية إلى تركيز هادئ على خطوات واضحة ومتتابعة. هذا “التركيز الهادئ” (Calm Focus) يُعتبر من أهم الأساليب التي يوصي بها المعالجون النفسيون لتخفيف القلق، لأنه يسمح للعقل بإعادة ترتيب أفكاره بعيدًا عن التشتت.

كما أن الطهي يخلق بيئة غنية بالتحفيز الحسي: الروائح، الألوان، ملمس المكونات، صوت الطهو، كلها إشارات حسية تُرسل إشعارات إيجابية للدماغ. هذه الإشارات تساهم في تخفيض مستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر. وقد أثبتت تجارب مخبرية أن الأشخاص الذين يُعرضون لروائح الطعام الطازج—خصوصًا الأعشاب مثل الريحان والروزماري—يختبرون انخفاضًا ملحوظًا في القلق خلال دقائق. هذا يفسّر لماذا يشعر الكثيرون بأن الطهي “مريح للأعصاب” حتى قبل تناول الطعام نفسه.

جانب آخر مهم هو الشعور بالإنجاز. في عالم سريع ومليء بالمهام الرقمية وغير الملموسة، يوفر الطهي تجربة حقيقية وملموسة: تبدأ بمكونات خام وتنتهي بطبق جاهز للأكل. هذا التحوّل المرئي والملموس يمنح الدماغ شعورًا بالإنتاجية والسيطرة، وهما عاملان معروفان علميًا بأنهما يقلّلان التوتر. لذلك، يشعر كثير من الناس بأن إعداد وجبة—even بسيطة—يخلق لديهم ارتياحًا داخليًا يشبه النجاحات الصغيرة التي تحتاجها الصحة النفسية يوميًا.

الدراسة أشارت أيضًا إلى أن الطهي يشجع على تناول طعام صحي أكثر، وهذا بدوره يؤثر على الحالة النفسية. فالأشخاص الذين يطبخون بانتظام قد يتناولون كميات أقل من السكريات والدهون، ما يؤدي إلى استقرار مستويات السكر في الدم وتحسين المزاج. فالمعروف أن التغذية الجيدة ترتبط مباشرة بالصحة النفسية، وأن اختلالها قد يزيد من أعراض القلق والتوتر.

ولا يمكن تجاهل الجانب الاجتماعي للطهي. فالطبخ غالبًا ما يرتبط بالاجتماع حول الطعام، ومشاركة الوجبات مع العائلة أو الأصدقاء. هذه العلاقات الاجتماعية الداعمة تُعدّ أحد أهم العوامل التي تخفّض التوتر بحسب علم النفس السلوكي. حتى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم يشعرون بالدفء العاطفي حين يطبخون لأنفسهم، لأن هذا الفعل يُعتبر شكلاً من أشكال العناية الذاتية التي تبعث على الطمأنينة.

من الملفت أن الباحثين وجدوا أن الفائدة تظهر بوضوح عند الوصول إلى “أربع مرات أسبوعيًا”. هذا المعدّل يبدو مثاليًا لتحقيق توازن بين الجهد والفائدة. أقل من ذلك قد لا يخلق الأثر المتراكم المطلوب، وأكثر من ذلك قد يتحول إلى عبء لدى البعض. لكن المعدل الوسطي—أربع جلسات طبخ—يمنح الدماغ جرعات كافية من الاسترخاء، التنظيم، والتحفيز الحسي.

في النهاية، يبدو أن الطهي ليس مجرد مهارة حياتية، بل وسيلة علاجية سلوكية يمكن لأي شخص ممارستها بسهولة داخل بيته. أربع مرات أسبوعيًا قد تكون كافية لتخفيف التوتر بنسبة 25%، تحسين الحالة المزاجية، وتعزيز الشعور بالإنجاز والسيطرة. إنه تذكير مهم بأن الحلول النفسية الفعّالة ليست دائمًا معقدة أو بعيدة المنال—أحيانًا تبدأ من المطبخ.

Exit mobile version