
تبددت كل المخاوف والتكهنات التي سادت لفترة طويلة بشأن احتمال إلغاء أو تأجيل زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى “لبنان اليوم” بين الأحد والثلاثاء المقبلين، في ظل الأوضاع الملتبسة والتصعيدات التي رافقتها تهديدات بعمل عسكري إسرائيلي واسع. وجاء الحسم عندما أعلن البابا بنفسه عزمه التوجّه إلى تركيا ثم إلى لبنان، مؤكدًا في منشور على منصة “إكس” أن الزيارة تهدف إلى لقاء شعبي البلدين العريقين بتاريخِهما وروحانيتهما، وإحياء ذكرى مرور 1700 عام على مجمع نيقية، بالإضافة إلى لقاء الجماعة الكاثوليكية وسائر الإخوة المسيحيين وأتباع الديانات الأخرى، طالبًا مرافقة الجميع له بالصلاة.
في سياق آخر، لم يتردد مستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي بالاستمرار باللعب بنار اللبنانيين، في التأكيد أن وجود “الحزب” أولوية للبنان واللبنانيين، محذراً من أن نزع سلاحه قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على البلاد. إذ تعكس هذه التصريحات استخفافاً بمعاناة شعب يطمح للسيادة والاستقرار، وسط تحذيرات عربية ودولية متزايدة من خطر التصعيد واحتمالات اندلاع مواجهة واسعة.
طهران تردّ على رسائل الاستقلال
في هذا الإطار، يبدو أن كلام مستشار خامنئي وفق مصادر متابعة لـ”نداء الوطن”، لم يأتِ من فراغ، بل جاء كردّ غير مباشر على الرسائل السيادية التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزيف عون من الجنوب، عشية الاستقلال، والتي أعادت تأكيد مرجعية الدولة واحتكار السلاح. واعتبرت، أن هذا الموقف لا يرضي الإيرانيين، الذين يرونط في الجنوب ركيزة أساسية لمشروعهم الإقليمي، ولن يتخلوا عنه بسهولة. غير أن الدولة اللبنانية، عازمة على استعادة سيادتها. في المقابل، تستبعد المصادر، صدور موقف رسمي للحكومة اللبنانية في جلسة اليوم يدين التدخل الإيراني السلبي في لبنان، نظرًا إلى أن خطاب الرئيس، وردّ وزير الخارجية يوسف رجّي على التصريحات الإيرانية، يجسّدان الموقف اللبناني الرسمي، الذي لن يتراجع على الرغم من تصاعد نبرة التحدّي.
استطرادًا، علمت “نداء الوطن” أن الجلسة التي ستُعقد في السراي الحكومي، لن تتناول الخطة الأمنية للجيش ولا التقرير الشهري، كون هذه الملفات تُناقش عادةً في جلسات تُعقد في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية.
إلى ذلك، اكتسبت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت بُعدًا يتجاوز إطار التضامن السياسي والدعم الدبلوماسي التقليدي، لتتحوّل إلى محطة مفصلية تُذكّر اللبنانيين بزيارة مشابهة سبقت بأسبوع اندلاع حرب الأيام الـ66 عام 2024. يومها حملت القاهرة نصيحة واضحة إلى الدولة اللبنانية بضرورة وقف “الحزب” الفوري لإطلاق النار تحت مسمّى “حرب الإسناد”، لكن رفض الأخير، وفتح حربًا أدّت إلى هزيمته، وإلى تبدّل عميق في موازين القوى الإقليمية.
هذه المقاربة هي مفتاح لفهم جدية الرسائل التي حملها عبد العاطي، وتبدو أكثر مباشرة وصلابة من كلّ ما سبقها. في السياق، علمت “نداء الوطن” أن الرسالة الأولى التي نقلها الوزير المصري تحمل دعمًا كاملًا لمبادرة الرئيس عون في خطاب الاستقلال، معتبرًا إياها فرصة لإنقاذ لبنان عبر معالجة أمنية داخلية متدرّجة.
أما الرسالة الثانية، فكانت صاعقة؛ إذ لفتت إلى أن مهلة إيجاد حلّ لمسألة سلاح “الحزب” شارفت على نهايتها، ولبنان يقترب من مرحلة سقوط سريع مع نهاية العام 2025. بعدها، لا ضمانات لأيّ استقرار، خصوصًا مع بقاء بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية. فسياسة “التفاوض البطيء” و “شراء الوقت” لم تعد قابلة للصرف دوليًا، والأخطر أنها لم تعد مقبولة عربيًا. هذه المعطيات تتقاطع مع تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس الذي هدّد صراحة: “إذا لم يتخلّ “الحزب” عن سلاحه حتى نهاية العام، فسنعمل بقوّة مرة أخرى في لبنان”.
في هذا المجال، لقي عون دعماً قوياً من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي أعلن في حديث خاص لـ”النهار”، “أن بكركي ترى أن الحل لملف سلاح “الحزب” هو عبر الديبلوماسية وليس بالمواجهة المسلحة، وهو ما يعتمده رئيس الجمهورية جوزف عون وهو عين الصواب”، متخوفاً من “أن يؤدي استخدام القوة إلى وقوع حرب أهلية ومواجهة مع الجيش”. ورفض الراعي “الربط بين انسحاب إسرائيل من الجنوب وتسليم السلاح، والمقايضة بين الأمرين، وبالتالي على “الحزب” أن يسلّم سلاحه وهذا قرار نهائي”، كما قال. وسأل: “ما هي قيمة هذا السلاح بعد؟ كي يقاوم من”؟. وقال “نعتبر أن دعم الرئيس ودعم عمله السياسي والاقتصادي واجب وطني، وواجبنا دعمه لتسيير شؤون الدولة”.