.jpg)
مجدداً، بدأ سكان الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان، في الأسابيع الأخيرة، رحلة البحث عن ملاذ آمن، وكأن الترحال بات قدراً كُتب عليهم مذ باتوا في “حماية الحزب”. سوق الإيجارات يشهد في هذه الأيام فورة تكاد تكون غير مسبوقة، نتيجة تهافت سكان الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان على استئجار منازل رديفة في محيط بيروت وعلى امتداد جبل لبنان وصولاً إلى جونية وجبيل والبترون وغيرها، فالمهم، “ملجأ من الآتي” في مناطق بعيدة عن مناطق سيطرة ونفوذ “الحزب”، منزل أو “شاليه” مهما كان متواضعاً، يلوذون به، بظل تصعيد الموقف من قبل “الحزب” الذي يرفض تسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية ويهدد بالرد، ووسط التهديدات الإسرائيلية بشن حرب واسعة على لبنان.
وفق مراكز الاستطلاع ومصادر تجار العقارات، تكثَّف الإقبال على طلب استئجار منازل خارج الضاحية والجنوب، هذا الأسبوع، بعد اغتيال رئيس أركان “الحزب” هيثم الطبطبائي، في حين كان “الحزب” وراعيته إيران يهددان بالرد على العملية. سكان المناطق التي يتمتع فيها الحزب” بنفوذ واسع يستعدون لموجة نزح جديدة، وتزداد المخاوف على ضوء تصريحات إسرائيلية مهددة بالتصعيد، ضاعفها ما رشح من زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن نقله رسالة إلى المسؤولين اللبنانيين من أن الحرب الإسرائيلية الموسعة شبه محسومة، ما لم يسلِّم “الحزب” سلاحه أو تقوم الدولة بنزع السلاح جنوب وشمال الليطاني، وعزّزها ما نُقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن “لا ثقة بأن “الحزب” سيتخلى عن سلاحه من تلقاء نفسه، وواشنطن أمهلته حتى نهاية العام”، مهدداً، “إذا لم يتخلَّ “الحزب” عن سلاحه حتى نهاية العام فسنعمل بقوة مرة أخرى في لبنان”.
وربما الصدمة الأكبر التي أصيب بها أهالي الضاحية والجنوب ودفعتهم إلى الطلب الكثيف على استئجار منازل في مناطق بعيدة عن مناطق نفوذ “الحزب”، هي أنه حتى وسائل الإعلام التابعة للحزب والدائرة في فلكه، خرجت بعناوين من قبيل “التسليم أو الجحيم”. وبالتالي، في ظل كل هذه الأجواء، هل هناك من يمكنه أن يلوم سكان الضاحية والجنوب إذا بحثوا عن ملاذات آمنة من الحرب المقبلة والتي باتت شبه محسومة؟، فالصورة باتت شديدة الوضوح بظل تعنُّت “الحزب” الذي لا يُسلِّم للدولة، بل يفضّل البقاء مرتمياً في أحضان إيران، ولو عرّض بيئته ولبنان بأسره لأهوال ومآسٍ وضحايا وخسائر وحرب مدمّرة جديدة!.
وسط كل هذه التهديدات والوقائع والرسائل العاجلة، من الطبيعي أن يتضاعف القلق العام في مناطق نفوذ “الحزب”، حيث يعيش أهالي الضاحية والجنوب ضغطاً نفسياً يكاد يوازي العيش في واقع الحرب نفسه، وبالتالي، الناس ستبحث عن ملاذ آمن لحماية عائلاتها، بعيداً عمّا يجهد “الحزب” وقادته وجيشه الإلكتروني في محاولة تسويقه عن العزة والصمود والقتال حتى الرجل الأخير والانتصار.
بعيداً عن عدسات الكاميرات، كلام كثير يقال في الجنوب والضاحية من قبيل “يكفي.. لم نعد نتحمّل.. خلّصونا.. تعبنا من الترحال”. يكاد يكون الكلام ذاته الذي تردد في الكواليس، عن أن مبعوثاً لـ”مرجع سياسي” إلى طهران “كُلِّف” بنقله إلى الإيرانيين، “لم نعد نتحمّل”. في وقت كان علي أكبر ولايتي يُفهم من لم يفهم بعد من بيئة “الحزب”، أن إيران لا تزال، حتى الساعة وعلى الرغم من كل الويلات التي حصلت، تعتبر شيعة لبنان وكل اللبنانيين مجرد حطب في خدمة مشروعها التوسعي ومفاوضاتها مع العالم على حدود نفوذها في المنطقة.
كم صعب أن يعيش أهالي الضاحية والجنوب واقع الترحال الدائم بسبب سياسة “الحزب” واستتباعه لإيران، وأن يتركوا بيوتهم وأرزاقهم وأحلامهم وينتقلوا إلى مناطق أخرى بعيداً عن مناطق سيطرة “الحزب”. صعب على أي إنسان، مهما كابر وادعى، أن يكون على الدوام في حالة من القلق والخوف و”الشنطة الجاهزة خلف الباب” للرحيل. فهل ثمة بقية باقية من ضمير أو حس وطني وأخلاقي لدى “الحزب” ليرحم بيئته أولاً على الأقل، قبل أن يكون من واجبه أن يرحم لبنان من مغامراته وتبعيته المدمّرة، ويلتزم أخيراً سقف الدولة والدستور والقانون كسائر القوى السياسية والمواطنين؟. متى يحين الوقت؟. هل من الضرورة وبأي منطق أن يتعرّض اللبنانيون وفي طليعتهم الشيعة لحرب مدمّرة جديدة قبل ان يُسلِّم؟!.
