صحيفة النهار – علي حمادة
يصادف يوم السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر ذكرى مزدوجة بمرور عام، من جهة على انتهاء الحرب بين إسرائيل و “الحزب”، ومن جهة أخرى مرور عام على انطلاق عملية إسقاط النظام السوري السابق.
هذا تاريخ مفصلي، يتشارك في مكان ما فيه لبنان مع سوريا. ففي ذلك اليوم أعلن الاتفاق على وقف الأعمال العدائية على الجبهة اللبنانية، بعدما تعرض “الحزب” لضربات قاصمة، جرت خلالها تصفية معظم قيادات الصف الأول والثاني، وجزء كبير من الصف الثالث. وكانت الذروة بقتل الأمينين العامين السابقين السيد نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، فضلاً عن ضرب المستوى اللوجيستي المُشكّل من آلاف العناصر من جميع القطاعات يوم ضربة “البيجر”.
في سوريا، انطلقت عملية “ردع العدوان” من إدلب في اتجاه حلب. وسرعان ما تدحرجت الأمور بشكل مفاجئ بسرعة الامتداد نحو الجنوب. وفي 8 كانون الأول/ديسمبر، ومع مغادرة الرئيس السابق بشار الأسد من دمشق سقط النظام من دون قتال حقيقي، نظراً إلى حالة التآكل التي كان يعاني منها، وانهيار القيادة قبل أن تواجه حقيقة.
بتعرض “الحزب ” في لبنان لهزيمة عسكرية، وسقوط نظام الأسد في سوريا، انقلب الشرق الأوسط رأساً على عقب. للتذكير، مصادر ديبلوماسية غربية مطّلعة قالت لنا يومها إن الحرب في لبنان لم تتوقف، بسبب مقاومة مقاتلي الحزب المذكور أو لعجز الجيش الإسرائيلي عن إكمال التوغل البري الذي كان واضحاً أنه كان مقدراً من البداية أن يبقى محدوداً، إنما من أجل الإفساح في المجال أمام انطلاق التغيير في سوريا وتركيز الاهتمام الغربي الأميركي – البريطاني على تغيير النظام في سوريا بوصفه إحدى النتائج المباشرة لعملية “طوفان الأقصى”، التي فتحت الباب واسعاً أمام قلب المعادلة في منطقة الشرق الأوسط؛ أولاً بضرب التمدد الإيراني في سوريا ولبنان، وصولاً إلى محاصرته في العراق، واستهداف النظام في عقر الدار أي إيران نفسها؛ وثانياً بإخراج روسيا من سوريا وإنهاء حلم الوصول إلى “المياه الدافئة” في شرقي البحر الأبيض المتوسط. هكذا خرجت روسيا راعية النظام السابق من مرافئ الساحل، وانتقلت سوريا إلى الظل الأميركي – العربي الخليجي، تحت أنظار أمنية إسرائيلية، تاركة وراءها محوراً إقليمياً تقوده إيران مقطّع الأوصال، ونفوذاً روسياً متهالكاً ومهمشاً إلى حد بعيد قياساً على السابق.
لقد تقاطعت في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 نهاية مرحلة أولى من عملية قلب الطاولة في لبنان، وبداية عملية نسف مسار تاريخي في سوريا، يعود إلى نصف قرن من الزمن، فضلاً عن اصطفاف استراتيجي دولي وإقليمي.
انتهت جولة أولى من حرب لبنان وانطلق التغيير الجذري في سوريا. بمعنى آخر، جرى قلب الطاولة على معادلات المنطقة بعدما تبين عقم حالة “الستاتيكو”، التي ظلت تتحكم بالمنطقة في خلال العقدين الماضيين، ولا سيما خلال ولايتي الرئيس باراك أوباما، الذي نقل جهوده إلى محاولة استقطاب النظام في إيران على حساب العلاقة التاريخية مع دول المنطقة العربية.
صحيح أن التغيير المستجد في المنطقة بدأ خلال ولاية الرئيس الديموقراطي جو بايدن، لكن العامل الأساسي الذي حكم التوجه الأميركي، وخلفه التوجه الغربي، أتى كنتيجة لهجوم 7 أكتوبر 2023 الذي قلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وطغى على سلوك الإدارة الأميركية، التي دعمت المجهود الحربي الإسرائيلي على جميع الجبهات. ففي ولاية بايدن تعرض “الحزب” لهزيمة على يد الإسرائيليين، وجرى إسقاط النظام في سوريا. ولكن مرحلة تعميق التغيير حصلت مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهي مستمرة في المدى المنظور في سبيل تحقيق هدفين رئيسيين: الأول في لبنان عبر نقل بيروت من موقع التبعية للنفوذ الإيراني إلى موقع المعسكر الغربي الأميركي والعربي، مصحوباً باتفاق سلام مع إسرائيل. وفي سوريا عبر إدخالها في دائرة النفوذ الأميركي – العربي – التركي – الإسرائيلي، إنما تحت أنظار واشنطن، التي تمتلك مفاتيح الضمانات الأمنية والسياسية الدولية.
وتكمن خصوصية الحالة السورية في أنها مؤثرة إلى حد بعيد في الجوار المباشر، خصوصاً في لبنان والعراق. لبنان الذي يسير على طريق التحرر من قبضة طهران وهيمنة ذراعها المحلية، والعراق الذي يبقى حتى إشعار آخر نقطة تقاطع وتوازن مع النفوذ الإيراني. وهنا، من المهم الإشارة إلى أن -على الرغم من نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي غلّبت معسكر الميليشيات المرتبطة بطهران- نفوذ الأخيرة آيل إلى الضمور مع تفاقم أزمات الداخل الإيراني، وتضرر هيبة النظام بعد حرب الأيام الـ 12 مع إسرائيل. هذه الأزمات ستضعف النظام أكثر.
في القرن الماضي نال لبنان وسوريا استقلالهما في العام نفسه. وجلت القوات الأجنبية عن أراضيهما في العام نفسه. وسنة 2024 انطلق التغيير العميق في لبنان وسوريا في اليوم نفسه!
