.jpg)
قد يظنّ البعض أن البابا لاوون الرابع عشر الآتي إلى لبنان لا يعرف تفاصيل ما يجري في السياسة اللبنانية والصراع في المنطقة، لأنه رجل سلام ومحبة، ويهمّه فقط العناوين العريضة والعمل لاستقرار الدول وإبعادها عن الحروب.
صحيح أنّ هذا جزء من دوره، لكن المبادئ المسيحية “المُسالمة” التي يحملها بابا روما لا تمنعه من التعمّق في أزمات بعض الدول، وخصوصاً تلك التي تضمّ أتباعاً مسيحيين. فالبابا هو رئيس دولة الفاتيكان، ولكل دولة قنواتها الدبلوماسية. ومن المعروف أن الفاتيكان لا جيش لديه ولا دبابات ولا طائرات حربية، بل يعتمد على الدبلوماسية أولاً وأخيراً. قد يكون صامتاً، لكنه ناشط جداً، ولو بشكل غير معلن.
وما لا يعرفه كثيرون أن البابا، قبل زيارته لأي دولة، يتعمّق في ملفاتها بعد اجتماعات مكثّفة مع دبلوماسييه ومستشاريه. أما البابا لاوون فلم يتوقف أصلاً عن متابعة الشؤون اللبنانية منذ انتخابه قبل أشهر، وقد أراد أن يخصّ لبنان بزيارة مهمّة جداً في أوّل جولة له خارج أسوار الفاتيكان.
إذاً، البابا لاوون آتٍ إلى لبنان وهو يعرف بعمق أزمته الحقيقية. ولا شك في أنه يرفض الحروب، وخصوصاً ما تفعله إسرائيل من جهة، ووجود “حزب مسلّح” إلى جانب الدولة يعيق تقدّمها وبسط سلطتها على كامل أراضيها من جهة أخرى. وقد لا يتطرّق البابا إلى هذا الأمر بالتفصيل في خطابه ومواقفه المعلَنة، إذ سيختصرها بالدعوة إلى السلام وإيلاء الدولة اللبنانية، بكل أركانها وممثليها، الأهمية القصوى، وتشجيع الحوار بين المتنازعين، لأنه لا يؤمن بالوسائل العنفية، وهذا أمر بديهي.
لا أحد يشكّ بانتماء الكنيسة المارونية إلى الفاتيكان وولائها للبابا منذ تأسيسها حتى اليوم. وبالتالي لا يمكن للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، على الرغم من تمتّعه بهامش من الاستقلالية في إدارة الكنيسة المارونية، أن يغرّد خارج سرب الفاتيكان، بل إن مواقفه محطّ اهتمام ورضى الكرسي الرسولي. وغالباً ما أطلق الراعي مواقف تعكس عمق الأزمة اللبنانية وتوصيفها بدقّة، وأهمها ما يقوله، بصدق وصراحة، عن الدور التاريخي للبطريركية المارونية في استقلال لبنان. فهو، كمن سبقه من البطاركة، يرفض كل هيمنة خارجية على لبنان، وكل هيمنة من أي طرف داخلي يستقوي بالسلاح على سائر الأطراف وسائر اللبنانيين مسيحيين كانوا أم مسلمين.
هذا الموقف تحديداً يعرفه البابا لاوون الرابع عشر جيداً، بل يعرف أكثر من ذلك. فالأحزاب السيادية اللبنانية لها حضور فاعل في الفاتيكان، وقد شرحت للحبر الأعظم عبر القنوات الدبلوماسية أن السلاح غير الشرعي يناقض أبسط مفاهيم سيادة الدولة على أراضيها وشعبها وقرارها، فكيف بالأحرى حين يُستعمل في الوقت نفسه للتهويل والترهيب والضغط في الداخل، وللمشاركة في حروب وصراعات إقليمية في الخارج خدمةً لأهداف إيران التوسّعية؟
لكن، حتماً، لن نسمع البابا لاوون يتحدّث عن هذا الأمر بالتفاصيل. فهو سيحمل ثلاثة عناوين أساسية في زيارته للبنان:
أولاً: دعم “لبنان الرسالة” المتمثّل بنموذج العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، وترسيخ قيم التسامح والتعايش الديني، ليكون قدوة للدول المتعدّدة.
ثانياً: دعم الدولة ومؤسساتها الشرعية والدستور (اتفاق الطائف) والقرارات الدولية الخاصة بلبنان، وهذا يعني رفض كل ما يمتّ إلى التنظيمات والميليشيات المسلحة بصلة على كامل الأراضي اللبنانية.
ثالثاً: دعم الوجود المسيحي في لبنان، والسعي إلى تأمين كل ما يضمن استمراره، ليكون بدوره حضناً آمناً لجميع مسيحيي الشرق.
ومن المؤكّد أنه بعد زيارة البابا إلى لبنان، والحفاوة الكبيرة التي سيلقاها في بلد الأرز، سيستخدم الفاتيكان ديبلوماسيته لدفع المجتمع الدولي أكثر إلى مساعدة لبنان على التحرّر والنهوض، ليعود أرض التلاقي والحرية والتفاعل الحضاري، بعيداً عن أيديولوجيات القوة والحروب والسلاح.
ونعود إلى البداية: البابا لاوون الرابع عشر رجل سلام، ينبذ العنف والاضطهاد والحروب وكل ما يشبهها. يعيش جزءاً من فكره على الأرض وجزءاً آخر في السماء. يحمل القيم الإنجيلية ويبشّر بها أينما حلّ، يلتقي الجميع ويصافح الجميع، ويُلقي سلامه على كل من يحبّ السلام. وليست صدفة أن يكون عنوان زيارته إلى لبنان:”طوبى لفاعلي السلام”.
