.jpg)
من أرض وطأتها أقدام السيد المسيح، ومن جبال رددت صدى القداسة عبر العصور، يبقى لبنان محط أنظار العالم الحر وقلب الكنيسة النابض. لطالما كان هذا الوطن الصغير بمساحته، والكبير بدوره، مقصدًا لرسل السلام، وعلى رأسهم الكرسي الرسولي، الذي لم يترك مناسبة إلا وأكد فيها أن لبنان هو “هو رسالة”. تأتي هذه الالتفاتة الفاتيكانية كفعل محبة وأمل، لتمسح الغبار عن وجه لبنان الذي يعاني، ولتعيد التذكير بأن هذا الوطن خُلق ليكون منارة للشرق، لا بقعة مظلمة كما يشتهي البعض تحويله.
في ظل التجاذبات السياسية الحادة، يتردد صدى كلمات الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر من قصر بعبدا كجرس إنذار للضمائر الحية، “اسألوا تاريخكم”، هذه العبارة المقتضبة تحمل في طياتها دعوة صريحة للعودة إلى الأصالة اللبنانية، فالتاريخ يشهد أن لبنان لم يكن يوماً مجرد جغرافيا هامشية، بل كان مهد الأبجدية، ومشفى الشرق، وجامعته، ومطبعته.
إن مراجعة التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لاستعادة “لبنان الحضارة”، هذا التاريخ الذي صنعه المفكرون، والقديسون، والطاقات الشبابية المبدعة، هو الهوية الحقيقية التي يجب التمسك بها في وجه من يحاول استبدال ثقافة الحياة بثقافة الموت، واستبدال الانفتاح بالعزلة.
تلفت مصادر مراقبة عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى جوهر الأزمة التي يعيشها الكيان اللبناني اليوم، وهي أزمة هوية بامتياز، فلبنان الذي قام على التعددية وكان ملتقى للأديان والحضارات، يجد نفسه اليوم أمام محاولات دؤوبة لفرض لون واحد وثقافة غريبة عن نسيجه الاجتماعي.
وفق المصادر، هذه “الثقافة الدخيلة”، التي يحاول “الحزب” تكريسها، لا تتعارض فقط مع المكونات المسيحية أو السنية أو الدرزية، بل هي غريبة حتى عن الإرث التاريخي للطائفة الشيعية الكريمة في جبل عامل، التي عرفت عبر التاريخ باعتدالها وعلمائها المستنيرين وانتمائها العربي واللبناني الصرف. إن محاولة إسقاط أيديولوجية “ولاية الفقيه” وتعميمها قسراً على اللبنانيين، هي عملية تزوير ممنهجة لتاريخ لبنان، تهدف إلى سلخه عن محيطه وعن طبيعته التوافقية.
ترى المصادر، أن الرهان اليوم هو على وعي اللبنانيين جميعاً، لاستعادة قرارهم الحر ورفض أي هيمنة ثقافية أو سياسية لا تشبه تاريخهم. إن “لبنان القداسة” الذي تغنى به العالم، هو لبنان الذي يجب أن نورثه للأجيال القادمة، وطناً للسلام، والعلم، والفكر، لا ساحة لتصفية حسابات إقليمية أو منصة لمشاريع عقائدية لا حياة فيها.