
كانت الزيارة وقتًا مستقطعًا، أو لنقل جملة اعتراضية جميلة، هبطت علينا من سماء ما متفلتة، سماء شاءت أن تنقلنا اليها لثلاثة أيام وليس أكثر، إذ لا أظن أنها تتحمّلنا أكثر من ثلاثة أيام، فأرسلت لنا بابا لم أرَ فيه الا صورة مستنسخة عن البابا القديس يوحنا بولس الثاني، في رقته وحنانه وتعاطفه وتعلقه بدموع لبنان قبل بسماته، البابا ليون الرابع عشر.
كنت أظن أن البابا لا يبكي علنًا، فبكى. كنت أظن أن البابا لا يمازح علنًا، ففعلها، كنت أظن أن البابا لا يتسلح، فجاء مدججًا “بترسانته”، كنت أظن أن البابا لا يحكي في السياسة فكان له أعنف خطاب في السياسة! أين وكيف فعل كل ذلك؟ لن نكتب في التسلسل الزمني لمواعيده، فهذا رجل تخطى الأجندة الرسمية ليسكن خفقان القلب الذي اجتاحنا لأيام ثلاثة، ولنتماهى معه ومع تلك الدمعات الرقراقة التي غلبته في بعض المحطات.
ثلاث محطات هي الأكثر عمقًا وتأثيرًا في الأيام الثلاثة التي أمضاها بيننا.
في دير عنايا حين سجد أمام ضريح مار شربل، كمن يرى جبلًا ينحني لنسمة. بابا الكنيسة في العالم، يقف برأس منحني بتواضع مهيب، أمام قديس بسيط متواضع، فلاح ترك العالم واعتنق مسيحه، وصار قديسًا بالصمت والطاعة، وأنار بقنديل المياه بدل الزيت درب القداسة من لبنان للعالم كله، فجاء اليه لأول مرة بابا من روما ليكرس إعلانه قديسًا من بقاعكفرا أعلى قرية في هذا الشرق، للعالم كله شرقًا وغربًا.
المحطة الثانية المدوية بدموع البابا، هناك فوق في دير الصليب، حيث المرضى المهمشين بالنكران وإهمال الدولة، يعيشون فقط من فيض بركات وأعاجيب القديس يعقوب الكبوشي، هناك حيث المرضى نفسيًا وعقليًا نقلوا بوضوح ونقاء لا لبس فيه، مرض الدولة المجنونة بإهمالها وفسادها ونكرانها لأكثر من 2000 مريض، وراهبات مناضلات يعملن كالأم تيريزا، ملائكة رحمة تحت رحمة النكران، لخدمة من نبذهم المجتمع وجعلهم مهمشون. لم يتمكن البابا ليون من حبس دموعه أمام دموع الأم ماري مخلوف، التي أخبرته عن وجع المكان ورجاء الأعجوبة، انهارت دموع الأم وانهارت معها دفاعات البابا فكانت تلك اللحظات المبللة تعاطفًا، وصار ذاك التأثر هو “التراند” الإنساني الحقيقي، خصوصًا عندما عانق البابا الراهبة القديسة في نضالها على الأرض لأجل كل هؤلاء المهمشين.
في مرفأ بيروت وقف البابا بالرداء الأبيض على أنقاض المكان الأسود بالجريمة المروعة، يصلي لضحايا التفجير الإرهابي، من أمامه وقف أهالي الضحايا، وتحت أقدامه سمع أنين الأشلاء، أنا متأكدة، سمعهم يصرخون “يا رسول السلام نحن في النكران القاتل، نكران العدالة لنا ولدمائنا ولدموع أهالينا، لا تصدقهم يا رسول المسيح، كثر ممن استقبلوك وصافحوك وأحنوا رؤوسهم لك، هم من قتلتنا، هم من يحجبون عنا العدالة، أخبر مسيحك، قل له ما زلنا ننتظر عدالة الأرض كما عدالة السماء”، وكأنه سمع كل ذاك الأنين فأحنى رأسه مصليًا وبارك الأهالي وعانق دموعهم كمن يعانق ألم قلبه وقال لهم كلامًا هو في المواساة، لكنه في السياسة حين طالب بالعدالة، “ثأثرت في زيارتي القصيرة إلى مرفأ بيروت، حيث دمر الانفجار، ليس المكان فحسب، بل حياة الكثيرين. صليت من أجل جميع الضحايا، وأحمل معي الألم والعطش إلى الحقيقة والعدالة للعائلات الكثيرة، ولبَلدكم بأكمله” قال لهم وذهب متاثرًا وبقي هناك عالقًا عند الصلاة فوق أرض الأشلاء…
في لقاء الشبيبة في بكركي، مشى بينهم، هتفوا له، حاولوا أن يلامسوا يديه أو طرف ثوبه، أكثر من 12 ألف شاب وصبية غصت بهم ساحة بكركي، دوى الفرح في الاتجاهات كافة. قدموا له عروضًا إيمانية معبرة، تأثر كثيرًا، فرح أكثر، هناك رأى البابا شباب وصبايا لبنان المتعطشين للحياة، للسلام، للأمل، للمسيح وأمه العذراء مريم. رأى شبابًا مختلفًا يضج بالإيمان الممزوج بالخوف على الوطن، شباب مبدع يتحلى بالقوة والشجاعة، لكنه متعطش لأفق وطن منسوج من خيوط أحلامهم، وطن ليس مستحيلًا عليهم، لا يهيمون بحبه من طرف واحد، رأى شبابًا يريدون السلام، يريدون لبنان نقي غير السجين المعتقل في الاحتلالات والأسلحة غير الشرعية والفاسدين والمتخلفين، في لقاء الشبيبة ظهر لبنان المستقبل الحلو الحقيقي. “يا شاب لبنان انموا بقوة مثل الأرز واجعلوا العالم يزهر بالرجاء” قال لهم وكأنه يرسخ في أذهانهم عمق كيان وطن الأرز المذكور في إنجيل الرب، وبصعوبة ترك اللقاء لكنه بقي معهم…
ثلاثة أيام انتهت بقداس عند الواجهة البحرية لبيروت حيث تجمهر أكثر من مئة وعشرين ألف لبناني، عانقوا البابا بعيونهم برجائهم بحلمهم بيسوعهم بعذرائهم، وباي طائفة انتموا اليها، فهذا بابا المسيح، بابا الانسانية، ولما حانت ساعة الرحيل هتفوا له “ابقى معنا لا ترحل” لكنه رحل، وغلب من جاء بترسانة المحبة والتسامح بحضوره كل تلك الترسانات والأسلحة ورسل الموت والقهر والظلام على مر السنين، غلبهم رجل بسيط برداء أبيض، سلاحه وترسانته المسيح، قصفنا بالمحبة والتواضع والانفتاح، فغاب كل أولئك التافهين العابرين سوادًا في تاريخ لبنان، ولما وقف عند درج الطائرة مودعًا، أطلق قنبلة محبة وأمل وتجذر بالأرض “أنتم أقوياء مثل أشجار الأرز، أشجار جبالكم الجميلة، وممتلئون بالثمار كالزيتون الذي ينمو في السهول، وفي الجنوب وبالقرب من البحر… أعانق الجميع وأرسل إلى الجميع أماني بالسلام. وأُطلق أيضًا نداء من كل قلبي لتتوقف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظِن أحد بعد الآن أن القتال المسلح يجلب أَية فائدة، فالأسلحة تقتل، أما التفاوض والوساطة والحوار فتبني. لِنَختر جميعًا السلام وليكُن السّلام طريقنا لا هدفًا فقط! ولنتذكر ما قاله لكم القديس البابا يوحنا بولس الثاني: لبنان أكثر من بلد إنّه رسالة”… وغاب وجهه في السحاب…
