طوبى للذي حمل السلام إلى لبنان. وطوبى للذين تلقّفوا رسالة الحبر الأعظم. والويل الويل للذين لم يفهموا بعد أنّ أرضنا هي أرض سلام، ولم تكن يومًا أرض حروب واقتتال، بل هم الذين جعلوها هكذا. وإن لم يدخلوا ثقافة المحبّة والإخاء والسلام سيطردون طردًا من هيكل الأرز المقدّس. لقد شكرنا مع قداسته ربّ القوّات السماويّة على عطاياه كلّها. فهل أدرك اللبنانيّون كلّهم القيمة الانسانيّة التي منحهم إيّاها الحبر الأعظم بزيارته الرّسوليّة؟
صحيح أنّ قداسته قد أشار في عظته إلى أنّنا “نقف مشلولين بسبب عجزنا وعدم مقدرتنا أمام الشر، إذ تثقلنا أوضاع كثيرة صعبة ، فنميل إلى الاستسلام”، لكنّنا نعرف تمامًا أنّنا لسنا متروكين. وزيارة قداسته أرضنا المقدّسة هي خير دليل. فنحن قوم لا نؤمن بالصّدف بل بعمل الإرادة الإلهيّة. لذلك لم نستسلم يومًا حتّآ في أعتى لحظات الاضطهاد التي تعرّضنا إليها يوم تركت سياط الجلّادين في أقبية النّظام الأمني تواقيعها على أجسادنا فانطبعت خريطة لبنان عليها.
حملت هذه الزيارة في أبعادها أربعة مدلولات:
– الحقيقة: زيارة قداسته موقع انفجر مرفأ بيروت هو تأكيد وإصرار منه على ضرورة كشف حقيقة هذه الجريمة البشعة، ولكن ليس أيّ حقيقة على قاعدة “ألّا يموت الديب وألّا يفنى الغنم”؛ على حدّ المثل الشائع. بل ما بات واضحًا أنّ المطلوب هو الحقيقة الحقيقة وليس غيرها. وهذا ما يوحي باقتراب موعد صدور القرار الظّنّي في هذه القضيّة. وهذا ما سيسقط رؤوسًا كثيرة. شاء مَن شاء وأبى مَن أبى. فأبواب العدليّة أوصدَت أمام المُهَدِّدين من أمام موقع جريمتهم النكراء. ولم ينفع لا التهديد ولا الانكار.
– مسيحيًّا: لقد أعاد قداسته في زيارته هذه تصويب الهويّة اللبنانيّة على الصّورة المسيحيّة – الانسانيّة. فلا يعتقدنّ أحد أنّ÷ يستطيع تغيير هويّة لبنان، لا بالديموغرافيا ولا بقوّة السلاح ولا بأحلاف المحاور. فما سقط في منتصف القرن الماضي أسقطه نفسه قداسة البابا في هذه الزيارة. وأعاد مسار لبنان الرّسالة إلى السكّة الصحيحة. لأنّه كما كان طيلة هذه العقود الأربعة الأخيرة، فقد كان صندوق بريد ولم يسمح المحور السوري – الايراني بأن يكون ” لبنان الرّسالة” كما وصفه السلف قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني في زيارته في العام 1997.
– سياسيًّا: في المدلول السياسي، باتت واضحة هذه الزيارة بإعادتها لبنان إلى صلب الخارطة الدّوليّة بعدما نجح محور إيران ووكيله في لبنان، أيّ منظّمة “الحزب”، باقتلاعه من النّظام العالمي، وجعله في طليعة الدّول المارقة في العالم، كما يعود الفضل لهذا المحور بتكوين طبقة فاسدة جعلته أولى الدّول الفاشلة في العالم. هذه التوأمة بين المارقة والفاشلة أسقطها قداسته بزيارته القاضية هذه، ليثبّت من جديد أنّ ” كلمة الله تدعونا إلى أن نرى الأنوار الصغيرة المضيئة في وسط ليل حالك، لكي نفتح أنفسنا على الشكر، ونتشجع على الالتزام معًا من أجل هذه الأرض”. فهذه الوصيّة الوطنيّة التي غرسها في نفوسنا كلبنانيين عامّة وكمسيحيّين بوجه خاصّ “يجب أن ندرك أن الله أراد أن تكون حياتنا في ضوء الإيمان، ووعد الرجاء، وفرح المحبة. ولهذا ، نحن جميعا مدعوون إلى أن ننمي هذه البراعم، وألا نصاب بالإحباط، وألا نرضخ لمنطق العنف ولا لعبادة صنم المال، وألا نستسلم أمام الشر الذي ينتشر”.
– إنسانيًّا: لقد تجلّى هذا المدلول في النّداء الذي وجّهه قداسة البابا بعد القدّاس الإلهي الذي ودّع فيه اللبنانيّين بوصيّة “السلام”، حيث تكرّرت هذه الكلمة لعشر مرّات بشكل اخترقت فيه الوجدان اللبناني – اللبناني أوّلًا لأنّه بهذا النّداء رسم صورة لبنان الجديد بنظام جديد يقوم على احترام تعدّديّته في وحدته. كما أنّ هذه الكلمة قد اخترقت الوجدان الاقليمي لإخراج لبنان من أتّون الحروب السرمديّة التي ولدت من ثقافة الموت. فبدت منه دعوة واضحة وصريحة إلى استعادة ثقافة الحياة، مستعملا فعل الوجوب بقوله: “يجبُ علينا أن نُغَيِّرَ المسار، ونُرَبِّيَ القلبَ على السّلام.” وهذا ما يعني عمليًّا أنّ المسار قد تغيّر حتمًا. وختم النّداء الوصيّة بوضع أمانة الشرق بيد مسيحي لبنان ليكونوا هم أنفسهم باكورة مسيحي المشرق، وحاملي أمانة المسيح لأنّهم هم “المواطِنونَ الأصلِيِّونَ أصحابَ هذِه الأراضيّ “، فدعاهم ليبادروا بشجاعة إلى السلام، لأنّ العالم قد تغيّر.
لقد رسم قداسته مسار القيامة للبنان، لذلك شبّهه بالمخلّع الذي شفاه المسيح عندما قال له : “قم احمل سريرك وامشِ.” أمام هذه الوقائع، بات واضحًا أنّ لبناننا غير متروك. لكن اللبنان القديم الذي يتبجّحون بإماتته كلّ لحظة خدمة لمشاريع لا تمتّ إلى كيانيّته اللبنانية بصلة، هذا اللبنان الذي سيتعرّض لنتيجة تعنّتهم وقصور رؤيتهم الجيو استراتيجية على مستوى المنطقة ككلّ. لذلك، نحمّل قداسته بعد رحيله أمانة لبنان الذي نريده ونقول له: “اذكره متى أتى في صلاتك.” واليوم اليوم تأكّدنا أكثر أنّ لبنان دومًا في صلاته. والقيامة آتية لا محالة.
.jpg)