صحيفة النهار – روزانا بومنصف
لا يختصر “الحزب” لبنان ولا مشهده السياسي، سواء بالنسبة إلى الداخل أو إلى إسرائيل، وأكثر، إلى إيران والولايات المتحدة وكل الخارج. زيارة البابا لاوون الرابع عشر أعادت التذكير بقوة بهذا الواقع الذي يغيب في ضجيج الصراع الإيراني – الإسرائيلي في لبنان أو عبره. فلبنان المتعدد بطوائفه ودياناته وإرثه الثقافي، يعلو على سردية الحرب العسكرية المسيطرة مجددا بقوة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، عدا عن الحرب بأشكالها الأخرى المستمرة منذ عقود.
وقد سارع اللبنانيون إلى التمسك بالبابا، خشبة خلاص لهم في ظل بحر الوعيد من هنا وهناك، بما ينتظرهم بعد زيارته في ظل خوف متزايد من ألا يستطيع لبنان بمسؤوليه وكنيسته الاستفادة من زخم الزيارة وأبعادها، تماما كما حصل في تجارب سابقة.
في ظل التحذيرات الأميركية لإسرائيل من تخريب الوضع السوري، والمرفقة بدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى زيارة واشنطن مجددا، أو تخريب اتفاق وقف النار، كما في ظل إصرار إيران على أولوية سلاح “الحزب” على “الخبز والماء” في لبنان وفق ما “أفتى” المرشد الإيراني علي خامنئي، تتصاعد الخشية من حتمية بقاء لبنان متنفسا وحيدا للصدام أو لتصفية الحسابات ودفع الأثمان الباهظة بسبب سلاح الحزب، ما لم تقرأ إيران التطورات الدولية وتطوراتها الداخلية على نحو أكثر حكمة، ولا ترتكب ما ارتكبه النظام السوري السابق في لبنان لجهة إخفاقه في قراءة التحولات اللبنانية الداخلية والتحولات الدولية في 2004.
مما لا شك فيه أن إيران تنظر بقلق كبير وفقا لمصادر ديبلوماسية إلى الإنذار الأميركي للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتغييرات التي سيحملها ذلك بالنسبة إلى إيران، باعتبار فنزويلا عمقا مهما داعما لطهران على أكثر من مستوى. والأمر نفسه ينسحب على الجهود الجدية لإنهاء الولايات المتحدة الحرب الروسية على أوكرانيا، إلى جانب تطورات أخرى تنعكس مزيدا من الانهيار الاقتصادي في إيران نفسها، مع تدهور العملة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، ومع دعوة المرشد إلى الاقتصاد في الخبز والماء والأمور الحياتية البديهية. ليست إيران في أحسن أحوالها ولا كذلك “الحزب”.
زيارة البابا أتت في ظل بدء العد العكسي للمهلة الأميركية للدولة اللبنانية، لكي تثبت إرادتها وقدرتها على نزع سلاح الحزب شمال نهر الليطاني، وتثبت أنها ستنفذ المراحل اللاحقة من خطتها لنزع السلاح في غضون 60 يوما، وفقا لمطالب الولايات المتحدة التي تريد من الحكومة اللبنانية أن تتخذ “خطوات أساسية وفعالة” خلال هذه الفترة الزمنية، وهذا تحدّ في ذاته، حتى للفاتيكان نفسه في تحقيق اختراق لا ينهي مفاعيل الزيارة بعد أسابيع معدودة. ولكن ذلك لا يحصل من دون مساعدة. وما ورد في مضمون كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب في لقاء البابا في ساحة الشهداء هو المغزى المطلوب عمليا، إذ قال: “إن ما يحصل من حروب مفتعلة باسم الأديان لا يعبّر عن حقيقة الدين الذي يقوم أولا على أساس حرمة الإنسان وكرامته. إننا مؤمنون بضرورة قيام الدولة، لكننا في غيابها اضطررنا إلى الدفاع عن أنفسنا في مقاومة الاحتلال الذي غزا أرضنا، ولسنا هواة حمل سلاح وتضحية بأبنائنا”. وختم: “بناء على ما تقدم، نضع قضية لبنان بين أيديكم بما تملكون من إمكانات دولية، لعل العالم يساعد بلدنا على الخلاص من أزماته المتراكمة، وفي طليعتها العدوان الإسرائيلي وما خلفه ويخلفه من تبعات على وطننا”.
العدّ العكسي لمهلة نهاية الشهر الحالي والذي تسعى زيارة البابا إلى ترجمته، يستدرج وساطات أخرى، فيما المطلوب التوقف عند جوهر كلمة العلامة الخطيب وما إذا كان يمكن البناء عليها أو أنها كلمة فرضتها المناسبة ليس إلا. فالشيعة اللبنانيون مكانهم كما برز في ساحة الشهداء وفي قصر بعبدا، هو نفسه لجميع الطوائف، ولا حاجة إلى السلاح في زمن عودة الدولة. ومع انتقال مجلس الوزراء في جلسته غدا إلى البحث في المرحلة التالية من خطة الجيش حول حصرية السلاح، يرصد كثر موقف “الثنائي الشيعي” وما إذا كانت الرسالة من الدولة اللبنانية ستقنع الخارج بجدية الدولة وعزمها على الانتقال إلى المرحلة التالية من استعادة سلطتها، بما يمكن أن يجنب لبنان مبدئيا مواجهة خيار انتهاء المهلة الأميركية نهاية السنة بتصعيد إسرائيلي يلوح في الأفق.
لا يمكن التفوق على هدية البابا التي لا تقدّر للبنان، بدعوته المجتمع الدولي إلى الاهتمام به واعتماد مقاربة مختلفة في المنطقة، إنما مع إصراره على وجوب استماع المسؤولين إلى الشعب الذي يطالب بالسلام والتحلي بالشجاعة للقيام بذلك.