
…”تجاوبًا مع المساعي المشكورة من حكومة الولايات المتحدة الأميركية، التي تتولى رئاسة اللجنة التقنية العسكرية للبنان، بعد التنسيق والتشاور مع رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، ورئيس الحكومة الدكتور نواف سلام، قرر رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، تكليف السفير السابق المحامي سيمون كرم، ترؤس الوفد اللبناني إلى اجتماعات اللجنة نفسها. كما تم إبلاغ المعنيين بذلك. وعليه يشارك السفير كرم بهذه الصفة، في اجتماع اللجنة المقرر في 3 كانون الأول 2025، في الناقورة”. من بيان رئاسة الجمهورية اللبنانية الذي تلته السيدة نجاة شرف الدين.
من المؤكد أن تعيين السفير سيمون كرم كرئيس مدني للوفد اللبناني المفاوض في لجنة الميكانيزم لم ينزل لا بردًا ولا سلامًا على “الحزب” الرافض أصلًا لمبدأ التفاوض، سواء بالمباشر أو غير المباشر، كما لم يهضم “الحزب” اسم السفير سيمون كرم المؤسس للقاء قرنة شهوان والناشط في 14 آذار والناطق بلسان حال السياديين الهادفين لبسط سلطة الدولة وحصريتها وحدها في حمل السلاح على كامل الأراضي اللبنانية.
يكفي في هذا المجال أن نعيد للقارئ ما كان قد أدلى به السفير سيمون كرم في تكريم النائب السابق اليساري الحر حبيب صادق، لنفهم ردة فعل “الحزب” الطبيعية وحنقه من “محاولات خنقه”… إذ قال كرم ومن منبر الجامعة اليسوعية في 4 تموز من العام 2025: “الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون نارًا سياسيّة وأمنيّة كثيفة على الداخل، ساعين إلى بعث ما عاشوه غلبة، سحابة سنوات قصيرة عجاف، وأدّى بهم وبالبلاد وأهلها الى هذا الخراب العميم”.
“يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة… والجيش بحجّة أنّه عاجز عن حماية البلاد والناس.. والقوّات الدوليّة لسعيها إلى تنفيذ القرارات الدولية… وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى.
جميع هؤلاء خونة ومتآمرون. وبقايا السلاح وبقايا العسكر وبقايا الأمن وبقايا الإعلام مستنفرون لتأديبهم وإخضاعهم”.
صبرَ على إسرائيل التي أرْدَت إلى الآن ما يفوق مئتي ناشط منذ أوقفوا نارهم، ولا صبر على الداخل، رئاسة وحكومة وجيشًا ومجتمعًا مدنيًّا ومراكز ثقافية وجامعات وجماعات ومدنًا وبلداتٍ… بما فيها تلك التي فتحت بيوتها وقلوبها للنازحين في محنتهم ثمّ كلمة جارحة مع كلّ إطلالة، آخرها: “باقين على قلوبكم”.
ولمن لم تتضح أمامه ردة الفعل الحقيقية لـ”الحزب”، أوضحته مقدمة نشرة أخبار “المنار” المسائية في 3 كانون الأول من العام 2025، إذ قالت: “اتخذت الدولة اللبنانية قراراتها وعليها أن تتحمل تداعياتها. فبعد طول تنازلاتها من دون مقابل، كانت الدولة قد أكدت الا خطوة لبنانية إضافية تجاه العدو من دون وقف اعتداءاته، لكنها قررت اليوم تكليف مدني هو السفير سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني الى لجنة الميكانيزم، مقابل الوفد الصهيوني الذي يرأسه العضو بمجلس الامن القومي أوري رسنيك.
بررت السلطة الخطوة بانها من أجل الدفاع عن سيادة لبنان وسلامة أراضيه ومصالحه العليا، واتبعتها بانها تجاوب مع المساعي المشكورة من حكومة الولايات المتحدة الأميركية.
فأي تجاوب وأي مساع أميركية؟ هل من تعهد أميركي جديد للبنان بوقف الاعتداءات والخروقات الصهيونية إذا ما أقدم على مثل هذه الخطوة؟ أم أن هناك ما لا يعلم به اللبنانيون ويعمل عليه القيمون؟
لا داعي لانتظار الأجوبة، فالمسيرات الصهيونية التي كانت تحلق فوق القصر الجمهوري وبيروت وضاحيتها وعموم القرى الجنوبية بالتزامن مع اجتماع لجنة الميكانيزم بوجوهها الجديدة، دليل جديد وجواب واف وصريح على كذب كل الوعود والعهود الأميركية.
ومع ترحيب السفارة الأميركية بالخطوة اللبنانية التي وضعتها على طريق الحوار المدني المستدام وتعزيز السلام الدائم على طرفي الحدود، هلل الصهاينة للقرار اللبناني معتبرين أنه إنجاز لحكومة نتنياهو على طريق التطبيع مع لبنان.
وإن اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن الإسرائيليين ذهبوا بعيدًا في تفسير الخطوة اللبنانية، فإنه ذهب بعيدًا بطمأنة الإسرائيلي، معلنًا انفتاحه على أن تتحقق قوات أميركية وفرنسية مما سماها المخاوف بشأن مستودعات أسلحة “الحزب” المتبقية في الجنوب.
فماذا تبقى من سيادة وطنية؟
وهل هكذا تستعاد الأرض والحقوق؟
وهل هكذا يكون الدفاع الدبلوماسي عن مصالح الوطن العليا؟
لقد خطت الدولة اللبنانية خطوة نحو المجهول من دون أثمان مضمونة، وحتى نرى ما ستكون عليه الأمور، فإن أهل الأرض عند موقفهم: لا تنازل عن الحقوق ولا استسلام”.
بانتظار موقف “الحزب” الرسمي على لسان أمينه العام نعيم قاسم يوم الجمعة في الخامس من الجاري، فإن ما لم تقله “منار الحزب” بالأخ نبيه بري الموافق على التعيين بحسب بيان رئاسة الجمهورية، قالته “أخباره” في افتتاحية ناشرها ابراهيم الأمين في 4 كانون الأول من العام 2025 تحت عنوان “غباء واستغباء وأكثر”… ومما كتبه نقرأ: “هو قرار يثير القلق ويستدعي التمعّن في خلفياته وأبعاده وكيفية صياغته، لأنه قد يشكّل بداية لمسار سياسي يمكن أن يقود البلاد إلى كارثة وطنية كبرى… وإذا كان الرئيسان عون وسلام يواجهان تحدّيات مع الجانبين الأميركي والسعودي اللذين حملاهما إلى الموقعين اللذين يشغلانهما اليوم، فإنّ الرئيس بري، بالتأكيد ليس في وضع شخصي أو سياسي يسمح له بخوض مغامرة كهذه أو تقديم تنازلات من هذا النوع. في المرّات السابقة، حين أرسل لبنان مندوبين غير تقنيين إلى مفاوضات غير مباشرة، كان يملك ورقة قوة كبيرة اسمها المقاومة. أمّا اليوم، فلبنان يدخل المفاوضات وهو مُطالَب أولًا بالتخلّي عن هذه الورقة، وفوق ذلك يُختار له شخص يتوافق تمامًا مع المعايير الأميركية والسعودية وحتى الإسرائيلية لإدارة هذه المفاوضات.
فكيف يعقل أن يُكلّف شخص يقضي ليله ونهاره في التفكير بكيفية التخلّص من جمهور المقاومة وليس المقاومة فقط، بإدارة ملفّ تفاوضي مع عدو لم يعُد يقيم وزنًا لأي أمر”؟
في حديث “الأمين” على أخبار “الحزب” عن “مرات المفاوضات السابقة”، تذكر الكثيرون مفاوضات الترسيم البحري التي شابها دخول مدنيين تقنيين اعترض عليهم “الحزب” آنذاك على لسان مسؤوليه وإعلامه، ليتسبب جفاء وخلافًا مع الرئيس ميشال عون، ولم يمنع نصرالله بعد إنجاز الترسيم في 7 تشرين الثاني من العام 2022 من الإعلان أن “النتيجة كانت انتصارًا تاريخيًّا وكبيرًا”.
كما كان “الحزب” وأخباره على الشاشة والورق معترضين، في المرة السابقة كاليوم، على سوء إدارة تلك المفاوضات بشخص الوسيط آموس هوكشتاين وفي المراحل التمهيدية لإعلان انتصار الترسيم وتحديدًا في 21 تشرين الأول من العام 2021 تحت عنوان: “في بيتنا عدو: قاطعوا الوسيط الإسرائيلي”، ليعتبر كاتب الافتتاحية أن هوكشتاين يخدم السياسة الإسرائيلية الصهيونية كونه ولد في “الكيان” وتعلم فيه وخدم في جيشه وحارب اللبنانيين في اجتياح العام 1982، وأن ما يقوم به الوسيط “مهمة تجسسية” لصالح العدو. ليخلص في النهاية الى “أن ما يجري اليوم من مفاوضات حول ترسيم الحدود بشكلها الحالي يمثل فضيحة أخلاقية ووطنية تجب مقاومتها والتنصل من أي نتائج تصدر عنها”.
ولم تكن الأخبار الا تردادًا لصدى أمين عام “الحزب” الراحل نصرالله الذي قال في 13 تموز من العام 2021: “الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين لا نعتبره وسيطًا بل طرف يعمل لمصلحة إسرائيل ويضغط على الجانب اللبناني”، كما وصف نائبه الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلته النيابية النائب محمد رعد في وقت لاحق هوكشتاين بـ”الوسيط غير النزيه”.
ولا ننسى طبعًا الدور الريادي الذي اضطلع به هوكشتاين في اتفاق وقف إطلاق النار، وقد قالت فيه أخبار “الحزب” قبل توقيع الاتفاق ـ الانتصار ما قالته قبل ترسيم الحدود البحرية، إذ أوردت في 13 آب من العام 2024 تحت عنوان: “لا تستقبلوا الوسيط الإسرائيلي… الموفد الأميركي عائد الى لبنان مهددًا بالحرب الكبرى، لا تستقبلوا عراب الخداع هوكشتاين”، “إن استقبال الضابط الإسرائيلي الذي لا يخشى اتهامه بالعمل لمصلحة العدو يشكّل طعنة في غير مكانها وربما يفترض بأهل الحكم تكليف موظف باللقاء معه”، كما استغربت أخبار “الحزب” كيف يتبجح بعض المسؤولين اللبنانيين بأنهم على صداقة مع هوكشتاين الذي يعرف ملفاتنا جيدًا.
انطلاقًا مما هو واقع على الأرض وعلى طاولة الميكانيزم ومداولاتها، وعلى الرغم من كل ادعاءات استعادة العافية والقدرة والقوة، من الضروري أن نشير الى “الواقع الجديد” الذي ورد على لسان قداسة البابا لاوون الرابع عشر في زيارته الى لبنان، عن ضرورة نبذ السلاح والعنف وضرورة الحوار والمصالحة وصولًا الى السلام، ونؤسس على ما أدلى به رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون عن ضرورة السلام مع الأعداء في قوله أمام قداسته: “لبنان يمثل شرطًا لقيام السلام والمصالحة بين أبناء إبراهيم كافة”… لنصل الى الواقعية التي وردت على لسان رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ أحمد الخطيب: “نحن طائفة لا تهوى حمل السلاح ولا تريد أن ترسل أبناءها إلى الموت”.
.jpg)