
بينما تتسارع المؤشرات إلى دخول لبنان في مرحلة تفاوضية جديدة وغير مسبوقة مع إسرائيل، عقب تعيين رئيسين مدنيَّين من الجانبين للوفدين المفاوضين في الناقورة عبر “الميكانيزم” لمتابعة ملف التفاوض حول النقاط العالقة، تتفاعل هذه التطورات داخل بيئة “الحزب”، التي لطالما رُسم وعيها السياسي حول فكرة المقاومة والصراع الأبدي مع إسرائيل ورفض التفاوض من أجل السلام. وقد أثار هذا التحوّل في مسار المفاوضات، وما يحمله من دلالات سياسية، ردود فعل خافتة لكنها عميقة داخل الطائفة الشيعية، التي تقف اليوم أمام مأزق وجودي بين إرث الحرب واحتمالات السلام.
تجد شريحة كبيرة من أبناء الطائفة الشيعية، خصوصًا ضمن البيئة المؤيدة لـ”الحزب”، نفسها اليوم أمام مفترق تاريخي حاد، يتكشّف فيه زيف الشعارات وتتلاشى فيه الخطابات التعبوية التي لم يعد بالإمكان تغطيتها بشعارات “الصمود والتصدي” أمام واقع قاسٍ من الدماء المهدورة والعقود الضائعة، من لبنان إلى البوسنة والهرسك وسوريا وغزة واليمن والعراق، وغيرها.
لا يزال الموقف الرافض لأي شكل من أشكال التفاوض، السياسي والمدني، مع إسرائيل سائداً داخل البيئة الشيعية الموالية لـ”الحزب”، الذي سرّبت مصادره امتعاضه من نقل مستوى التفاوض من عسكريين إلى مدنيين، الأمر الذي كان عبّر عن رفضه له علناً على لسان معظم قيادييه وفي مقدمتهم أمينه العام الشيخ نعيم قاسم.
وفي وقت يُقدَّم هذا الرفض على أنه موقف مبدئي لا يُمَس، تبقى الحقيقة أعمق من ذلك. موقف “الحزب” محكوم بثقل الماضي وسردية صُنعت خلال عقود من الحروب والدمار والتعبئة الأيديولوجية، أكثر مما هو تعبير عن قناعة نابعة من الواقع الحاضر أو وضعية قوية تمكّنه من الرفض وفرض شروطه، فالعكس هو الصحيح والواقع ماثل أمام الجميع، “الحزب” في مأزق ومأزوم وضعيف جراء الهزيمة الكبرى التي تعرّض لها وتغيّر الأحوال…
أحد تجليات هذا المأزق برز أخيراً في الاعتراض الواسع داخل “الحزب” على انتقال المفاوضات بين لبنان وإسرائيل عبر لجنة “الميكانيزم” إلى طابع مدني، من خلال تعيين السفير اللبناني السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني، مقابل تعيين إسرائيل شخصية مدنية أيضاً لرئاسة الوفد الإسرائيلي، وعُقد اجتماع “الميكانيزم” قبل يومين في الناقورة بحضور رئيسي الوفدين المدنيين، للمرة الأولى، ما يعني أن مرحلة جديدة من التفاوض قد بدأت، تتجاوز الشكل العسكري التقليدي نحو أفق سياسي مفتوح.
في العمق، هناك وعي دفين لدى كثيرين داخل البيئة الشيعية بأن التفاوض، مهما بدا خيانة “عقائدية” أو خروجاً عن السردية المقاومة، قد يشكّل فعلياً مخرجاً من الدائرة الجهنمية للحرب المستمرة. لكن التعبير عن هذه القناعة يبقى محظوراً، لأن مجرد الرغبة في السلام قد تُعدّ تمرّداً، والتنفّس خارج “قاموس المقاومة” يعامل كوصمة خيانة أو نكران لتضحيات السنين.
تجد البيئة الشيعية نفسها اليوم في مفترق تاريخي بالغ الحساسية، يكشف حجم التصدّع بين ما فُرض عليها أن تكونه لعقود، وبين ما تطمح إليه في سرّها، بعد أن أُنهكت من الحرب ومفاعيلها. فالشعارات التي صيغت تحت القصف وبُنيت على دماء الشباب لم تعد تقنع الجيل الذي يواكب واقع الخسارات اليومية، في البشر والحجر وسقوط القيادات والعناصر والدمار والخراب، لا الانتصارات.
على الرغم من أن رفض التفاوض، المدني والسياسي، مع إسرائيل لا يزال الموقف العلني السائد في خطاب “الحزب”، غير أن الوعي العميق لأبناء البيئة الشيعية بات يطرح تساؤلات حقيقية: ما الجدوى من الدوران في حلقة مغلقة؟، وما الثمن الذي يُطلب دفعه باسم الصمود؟، فالكثير من أبناء الطائفة الشيعية يشعرون، وإن بصمت غالباً مع ملاحظة أصوات متزايدة بدأت ترتفع في العلن، أن خيار التفاوض الذي بدا يوماً خيانة، قد يكون خشبة الخلاص من جهنّم مفتوحة لا تنتهي.
الإرباك الذي سببه انتقال المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى مستوى مدني ـ سياسي، لم يكن تقنياً، بل رمزياً وسياسياً بامتياز، إذ عرّى هشاشة الثوابت التي يتمسك بها “الحزب”، والتي منعت أي نقاش علني بجدوى استمرار منطق السلاح و”المقاومة”، في ظل دولة مشلولة منهكة واقتصاد منهار وشعب يبحث عن أمان مفقود.
ثمة ارتياح خفيّ يلوح في البيئة الشيعية تجاه فكرة التفاوض، لكن التعبير عنه ما يزال “محرّماً”. فالسيطرة السياسية والأمنية لـ”الحزب” تمنع الناس حتى من التفكير بصوت عالٍ بحرية، وجعلت الاعتراف بالرغبة في السلام، أشبه بخيانة ميثاق الدم.
لكن الناس سئمت الشعارات، وتعبت من دفع الأثمان، وهي اليوم عالقة بين ذاكرة ملطخة بالحرب، وحاضر مسدود، ومستقبل يلمع ببارقة سلام خافتة. لكن الطامة أن لا بديل واضح يُعرض عليها: لا رؤية تنموية، ولا أفق سياسي متاح لدى “الحزب” خارج معادلة “الحرب قدرنا”.
إنها أزمة هوية لدى جماعة تبحث عن خلاص؛ البيئة التي بُني وعيها السياسي على منطق الصراع بعد سيطرة “الحزب” عليها بالنسبة الأكبر، تُساق اليوم ـ ربما رغماً عنها ـ نحو احتمالات السلام الذي باتت ربما لا ترفضه كسلم نجاة، لكنها، حتى الآن، لا تملك شجاعة التمرد على سرديات الحرب، ولا يقيناً كافياً للذهاب نحو المجهول، والوقت يضغط بقوة ولا يرحم.
