
أثار فريق من العلماء فضول المجتمع العلمي بعد إعلانهم رصد أصوات غامضة وغير مألوفة قادمة من أعماق المحيط الهادئ، في مناطق بعيدة عن النشاط البشري وعن المسارات المعروفة للأحياء البحرية الكبيرة. هذه الظاهرة ليست الأولى من نوعها، لكن ما يميّزها هذه المرة هو أن الأصوات المسجلة تحمل تردّدات ونمطًا صوتيًا لا يشبه أيًا من الأصوات المعروفة للحيتان، الدلافين، الزلازل البحرية أو حتى الأصوات الناتجة عن تحرك الصفائح التكتونية. وهذا يدفع الباحثين إلى إعادة التفكير في ما قد تخبئه أعماق البحار التي لا يزال أكثر من 80% منها مجهولًا وغير مستكشف.
تعود هذه التسجيلات إلى أجهزة متطورة تعمل كميكروفونات تحت الماء، قادرة على التقاط أدنى الذبذبات الصوتية على عمق آلاف الأمتار. وخلال فترة مراقبة استمرت عدة أشهر، التقطت الأجهزة أصواتًا متكررة بينها “نبضات” منخفضة التردد تستمر لثوانٍ معدودة، ثم تختفي تمامًا. وبعض هذه الأصوات يأتي على شكل اهتزاز ثابت يتزايد تدريجيًا، وكأنه موجة صوتية صاعدة من منطقة عميقة جدًا. اللافت أن الأصوات تظهر في أماكن مختلفة من المحيط الهادئ، لكنها تشترك في الخصائص نفسها، ما يعزز فرضية وجود مصدر طبيعي غير معروف حتى الآن.
يحاول الباحثون تحليل هذه الإشارات من خلال مقارنتها بقاعدة بيانات ضخمة تضم كافة الأصوات البحرية المعروفة. لكن النتائج الأولية لم تظهر تطابقًا مع أي مصدر تقليدي، ما جعل العلماء يفترضون احتمالات متعددة. من بين هذه الاحتمالات وجود كائنات بحرية ضخمة لم تُكتشف بعد، خاصة أن الأعماق السحيقة تعجّ بأحياء غريبة لم يرى الإنسان معظمها. الاحتمال الآخر هو أن تكون هذه الأصوات ناتجة عن نشاط جيولوجي جديد، مثل فتحات حرارية أو حركات باطنية في قاع البحر لم يتم تسجيلها من قبل بهذا الشكل.
ما يثير الدهشة أيضًا أن بعض الأصوات المسجلة تكرر نمطًا يشبه الإيقاع، وكأن الصوت يصدر عن كائن حي يتواصل أو يصدر إشارات. في المقابل، تظهر أصوات أخرى كأنها “تنفّس” أو “نبض” عملاق، ما دفع بعض العلماء إلى وصفها بأنها “مجهولة بالكامل” لأنها لا تتناسب مع ترددات أي حيوان بحري معروف. وقد بدأت فرق أخرى حول العالم في إعادة تحليل البيانات الصوتية القديمة التي التُقطت في المحيط الهادئ، على أمل العثور على إشارات مشابهة ربما تم تجاهلها سابقًا.
ورغم أن هناك ميلًا لدى البعض لربط مثل هذه الظواهر بأفكار خيالية أو مبالغ فيها، يؤكد العلماء أن الهدف الأساسي من الدراسة هو فهم البيئة الطبيعية للمحيط، خاصة أن الأصوات يمكن أن تكون مؤشرًا على تغيرات بيئية مهمة. فقد تحمل دلالات على تحركات الصفائح، أو تغييرات في الضغط المائي، أو حتى على وجود أنظمة بيئية غير مكتشفة بعد. كما يمكن أن تساعد هذه الأبحاث في تطوير وسائل جديدة لرصد الزلازل البحرية أو الإنذار المبكر بالتغيرات الجيولوجية.
ويشير الخبراء إلى أن المحيطات ما زالت تحتوي على أسرار ضخمة بسبب صعوبة الوصول إلى أعماقها. الضوء لا يصل إلى معظم تلك المناطق، والضغط مرتفع إلى درجة تعجز أغلب الغواصات عن تحمله، ما يجعل التسجيلات الصوتية إحدى أهم الطرق لفهم ما يجري في تلك العوالم المظلمة. ومع استمرار العلماء في تحليل البيانات، قد نكون قريبين من اكتشافات مذهلة، سواء كانت مرتبطة بكائنات جديدة، ظواهر جيولوجية مجهولة، أو أصوات من طبيعة لم يسبق للبشر سماعها من قبل.
في النهاية، تذكّرنا هذه الأصوات الغامضة بأن المحيطات ليست مجرد مساحات واسعة من الماء، بل عوالم كاملة تنبض بالحياة والتغير. ومع كل اكتشاف جديد، يزداد إدراكنا بأن ما نعرفه عن كوكبنا لا يزال جزءًا صغيرًا جدًا من الصورة الكبرى.