
في خطوة علمية تُعتبر من أكثر التطورات إثارة في مجال التشخيص الطبي غير الجراحي، أعلن فريق من الباحثين في عدة جامعات أوروبية وأميركية عن تطوير نظام ذكاء اصطناعي قادر على تحليل صوت الإنسان واستخلاص مؤشرات مبكرة لعدد من الأمراض الجسدية والعصبية والنفسية. تعتمد التقنية الجديدة على خوارزميات متقدمة تتعرّف على أنماط دقيقة في خصائص الصوت، مثل الاهتزازات، الإيقاع، النبرة، سرعة الكلام، وحتى الانقطاعات الصغيرة التي قد لا يلاحظها الشخص العادي. هذه العلامات الصوتية غالبًا ما ترتبط باضطرابات معينة، مثل مرض باركنسون، مشاكل الغدة الدرقية، أمراض الجهاز التنفسي، واضطرابات المزاج مثل الاكتئاب.
ويشير الباحثون إلى أن فكرة استخدام الصوت كأداة تشخيصية ليست جديدة تمامًا، إذ كان الأطباء قبل قرون يعتمدون على سماع الصوت والتنفس لاكتشاف بعض الأمراض. لكن الجديد اليوم هو قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل آلاف العينات في ثوانٍ، واستخراج علاقات معقّدة لا يمكن للعقل البشري رصدها بسهولة. قام الفريق بتدريب النموذج على أكثر من 50 ألف تسجيل صوتي لأشخاص من خلفيات وأعمار مختلفة. ومن خلال ربط خصائص الصوت بالسجلات الصحية لكل مشارك، تمكنت الخوارزميات من التنبؤ باحتمال وجود المرض بدقة تجاوزت 82% في بعض الحالات، وهو رقم يعتبر عاليًا بالنسبة لوسيلة تشخيصية لا تتطلب تدخلًا مباشرًا أو تحاليل معقدة.
ويؤكد القائمون على المشروع أن هذه التكنولوجيا قد تحدث ثورة في أنظمة الرعاية الصحية، خاصة في الدول التي تعاني من نقص في الموارد الطبية أو كثافة سكانية عالية. إذ يمكن استخدام الهاتف المحمول أو أي جهاز بسيط مزوّد بميكروفون لتسجيل صوت المريض وإرسال العينة إلى النظام، الذي بدوره يقدم تحليلًا أوليًا يساعد في توجيه المريض نحو الفحوصات المناسبة. هذا النوع من التشخيص المبكر يُعد حاسمًا في أمراض مثل باركنسون، حيث تكون العلامات الأولية خفية ولا ينتبه إليها المريض إلا بعد سنوات.
ويرى الباحثون أيضًا أن هذه التقنية يمكن أن تحسن جودة حياة المرضى عبر متابعة تطور حالتهم الصحية بانتظام دون الحاجة للحضور إلى المستشفى. فالتغيرات الصغيرة في الصوت قد تعكس تحسنًا أو تدهورًا في الحالة، مما يساعد الأطباء على تعديل العلاج في الوقت المناسب. كما يمكن اعتماد هذه الطريقة في الطب النفسي لمساعدة المختصين على اكتشاف حالات الاكتئاب أو القلق عبر تحليلات كمية دقيقة بدل الاعتماد بالكامل على التقييم الذاتي للمريض.
ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن التكنولوجيا الجديدة لا تهدف إلى استبدال الأطباء، بل إلى دعمهم بأداة إضافية ذات قدرة تحليلية عالية. ما زالت هناك تحديات تتعلق بالخصوصية، إذ يتطلب جمع البيانات الصوتية حماية صارمة لضمان عدم إساءة استخدامها. كما يحتاج النظام إلى تدريب مستمر ليتأقلم مع تنوع اللغات واللهجات وأنماط الكلام المختلفة بين الثقافات. ويعمل الفريق البحثي حاليًا على توسيع قاعدة البيانات لتشمل أصواتًا من آسيا، الشرق الأوسط، وأفريقيا، مما سيساعد على رفع دقة التنبؤ عالميًا.
ورغم هذه التحديات، يبقى الاتجاه العام مشجعًا. فالاكتشاف يفتح الباب أمام مستقبل قد يتمكن فيه الإنسان من إجراء فحص صحي سريع بمجرد التحدث لبضع ثوانٍ، واكتشاف أمراض قبل ظهور أعراضها الواضحة. وإذا استمرت هذه التطورات بالوتيرة الحالية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يصبح واحدًا من أهم الأدوات التشخيصية في القرن الحادي والعشرين، معتمدًا على أبسط الإشارات التي ننتجها يوميًا: صوتنا.