#adsense

ضوء الشمس يحسّن الذاكرة

حجم الخط

تشير دراسة حديثة صادرة عن جامعة ميونيخ إلى أن التعرّض لضوء الشمس الصباحي لمدة لا تتجاوز عشر دقائق قد يكون له تأثير مباشر وملحوظ على تحسين الذاكرة قصيرة المدى والقدرة على التركيز خلال اليوم. هذا الاكتشاف لم يأتِ من فراغ، بل اعتمد على سلسلة تجارب شملت متطوّعين من فئات عمرية مختلفة، تم خلالها قياس النشاط الدماغي قبل التعرّض للضوء الطبيعي وبعده. النتائج أظهرت ارتفاعًا واضحًا في نشاط المناطق المسؤولة عن معالجة المعلومات وتخزينها، خصوصًا في منطقة الحُصين، وهي الجزء من الدماغ المعروف بدوره الأساسي في تشكيل الذكريات الجديدة.

يعزو الباحثون هذا التأثير إلى الطريقة التي يؤثّر بها الضوء الطبيعي على الساعة البيولوجية للجسم. فالتعرّض للشمس عند الصباح يضبط إيقاع النوم والاستيقاظ، ويعزّز إفراز بعض الهرمونات مثل السيروتونين التي ترتبط بالمزاج الجيد والوضوح الذهني. وعندما تكون الساعة البيولوجية متوازنة، يعمل الدماغ بكفاءة أعلى، ما يسهم في تحسين القدرات الإدراكية بشكل عام. لكن ما جذب اهتمام العلماء هو أن التأثير على الذاكرة ظهر سريعًا، حتى لدى الأشخاص الذين لا يحصلون عادةً على قدر كافٍ من النوم، مما يدل على أن ضوء الصباح قد يكون محفّزًا إدراكيًا مستقلًا عن جودة النوم.

ولم يقتصر البحث على القياسات الدماغية، بل شمل أيضًا اختبارات أداء عملية. طُلب من المشاركين حفظ قوائم كلمات أو نماذج صور، ثم أعيد تقييم أدائهم بعد التعرض للضوء. المجموعة التي تلقت ضوءًا طبيعيًا حققت نتائج أفضل مقارنة بالمجموعة التي تعرضت لضوء صناعي أو بقيت في الإضاءة الخافتة. كما لاحظ الفريق البحثي أن الفوائد كانت أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون عادة من تشتت الانتباه أو الذين يقضون معظم يومهم في أماكن مغلقة، مما يدفع إلى التفكير في تأثير نمط الحياة الحديث على القدرات الإدراكية.

وتتوافق هذه النتائج مع أبحاث سابقة حول أهمية الضوء في تنظيم المزاج والطاقة، لكنها تضيف بعدًا جديدًا يتعلق بالتأثير السريع على عملية التذكّر. فالضوء الطبيعي ليس مجرد وسيلة لإفاقة الجسم من النوم، بل يبدو أنه قادر على تحفيز مسارات عصبية مرتبطة بالذاكرة العاملة، وهي الذاكرة التي يعتمد عليها الإنسان في تنفيذ المهام اليومية مثل اتخاذ القرارات أو حل المشكلات. ويرى الباحثون أن هذا قد يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة لدعم الأداء الذهني في المدارس وأماكن العمل، خصوصًا في البيئات التي تفتقر للضوء الطبيعي.

ويشير الخبراء إلى أن هذه النتائج قد تكون مفيدة بشكل خاص للطلاب والعاملين لساعات طويلة أمام الشاشات. فالجلوس في الداخل طوال اليوم قد يضعف التواصل بين الساعة البيولوجية والعوامل الطبيعية الخارجية، ما ينعكس سلبًا على التركيز والإنتاجية. لذلك ينصح العلماء بجعل التعرض لضوء الصباح جزءًا من الروتين اليومي: بضع دقائق قرب النافذة، أو تناول القهوة في الهواء الطلق، أو القيام بنزهة قصيرة قبل بدء العمل. هذه العادات البسيطة قد تمنح الدماغ دفعة طبيعية دون الحاجة إلى محفزات أو مكملات.

ورغم النتائج المشجعة، يشدد الباحثون على ضرورة إجراء دراسات أعمق لمعرفة ما إذا كانت الفوائد تمتد إلى الذاكرة الطويلة المدى، أو ما إذا كان التعرض المتكرر يمكن أن يعوّض بعض اضطرابات الذاكرة المرتبطة بالتقدم في العمر. إلا أن المؤكد حتى الآن هو أن الطبيعة — وبشكل خاص ضوء الصباح — ما تزال تقدّم تأثيرات مفيدة يمكن أن تغيب عن حياتنا بسبب نمط العيش السريع المغلق داخل المباني. وبالتالي، فإن إدراج الضوء الطبيعي ضمن عاداتنا اليومية قد يكون خطوة بسيطة لكنها فعّالة لتعزيز صحة الدماغ والقدرات الإدراكية.

خبر عاجل