
لم يكن سلاح “الحزب” يومًا ملفًا قابلًا للنقاش، لا داخل لبنان ولا خارجه. أربعة عقود كرّست معادلة ثابتة: سلاحٌ فوق الدولة وفوق المؤسسات، باعتباره الامتداد الأكثر فاعلية لمشروع القوة الإيراني في المشرق، وضمانته الأساسية. لكن المشهد الذي يتشكّل اليوم على حدود لبنان، وفي عمق البيئة الشيعية، وفي قلب الإقليم، يقود إلى حقيقة جديدة تتقدّم بهدوء ولكن بثبات: للمرة الأولى منذ تأسيسه، يجد “الحزب” نفسه أمام واقع يجعل سلاحه موضوعًا قابلًا للتفاوض، لا بإرادته، بل بفعل تغيّر بنية القوة التي صانت هذا السلاح لعقود.
“الحزب” الذي استند طويلًا إلى مسار صعود إيراني متدرّج منذ منتصف التسعينات، محاط اليوم بانكشاف إقليمي عميق. إيران، التي شكّلت الذراع المموِّلة والمظلّة الاستراتيجية، باتت مثقلة بحروب استنزاف وأزمات اقتصادية خانقة وتراجعٍ ملموس في حضورها داخل ساحات نفوذها التقليدية. ومع كل تراجع في قدرة طهران، ينكمش تلقائيًا الغطاء الذي كان يوفّر للسلاح حصانة إقليمية كاملة. لم يعد السلاح امتدادًا لمشروعٍ يتقدّم، بل عبئًا يستنزف قدرات راعيه، ويُضطر إيران إلى إعادة حسابات الأمن والكلفة بدل توسيع هامش التأثير كما في السابق.
في الداخل اللبناني، دخل السلاح مرحلة سقوط شرعيته الصامتة. البيئة التي احتضنت “الحزب” طويلًا تحت عنوان “الحماية” لم تعد ترى في هذا السلاح حماية ولا ضمانة. الحرب الأخيرة وما رافقها من انهيار اقتصادي واجتماعي دمّرت ما تبقّى من الثقة التي وفّرت لـ”الحزب” غطاءً شعبيًا ثابتًا. مشهد الجنوب المدمّر، القرى المفرّغة، والعائلات التي دفعتها الحرب إلى النزوح أو الخسارة، كلّها عوامل تُظهر تحوّلًا عميقًا في المزاج الداخلي. السلاح، الذي قدّم نفسه لعقود كدرع طائفي، بات عبئًا نفسيًا ووجوديًا على المجتمع الذي يُفترض أنه يحميه. وهذا التحوّل، ولو بقي خارج العلن، يضغط على “الحزب” بطريقة لم يعرفها من قبل.
أما على الجبهة المقابلة، فقد فَقَدَ السلاح جزءًا أساسيًا من وظيفته العسكرية. الضربات الإسرائيلية المركّزة، استخباراتيًا وعسكريًا، قلّصت فعالية المنظومة التي بنى “الحزب” عليها معادلة الردع منذ العام 2006. ليس سقوطًا عسكريًا، لكنه سقوط في الوظيفة: السلاح لم يعد قادرًا على منع إسرائيل من ضرب بنيته القيادية والعملياتية العميقة. وبتراجع الوظيفة، يصبح وجود السلاح ذاته قابلًا لإعادة التعريف.
هذه التحوّلات تقلّص قدرة إيران، تصدّع الشرعية الداخلية، وتراجع الوظيفة العسكرية ـ تتقاطع مع ثابتة دولية ـ عربية جديدة: إنهاء نموذج الميليشيا المسلحة على حدود إسرائيل. للمرة الأولى، يتحوّل هذا المطلب من رغبة سياسية إلى جزء من معادلة الأمن الإقليمي. الخليج الذي عاد لاعبًا مركزيًا، والولايات المتحدة التي تعيد رسم دورها، وأوروبا التي تخشى انفجارات إضافية على حدود المتوسط، كلها تتفق على قاعدة صلبة: لا استقرار للبنان ولا خطة إنقاذ جدية من دون معالجة بنيوية لسلاح “الحزب”. لم يعد هناك متّسع للمساكنة بين الدولة والدويلة، ولا لمعادلة تأجيل النزاع. الاستثناء اللبناني لم يعد مقبولًا.
ولعلّ ما يضيّق هامش المناورة أمام “الحزب” أنّ هذا الإجماع الدولي ـ العربي لم يعد مجرّد ضغط سياسي، بل شرطًا مسبقًا لأي مفاوضات أو تسويات تخصّ لبنان. فالمعادلة الجديدة التي تتبلور في الكواليس واضحة: لا معالجة للحدود، ولا دعم اقتصادي، ولا أي تفاوض جدي، ما لم يُحسم ملف السلاح جذريًا أو تُعاد صياغة وظائفه تحت سلطة الدولة. وإسرائيل، التي تقرأ هذا التحوّل بدقة، تواصل بناء جاهزية عسكرية واسعة، وتقدّم نفسها، بصمت أو بتنسيق، كخيار اضطراري إذا تعذّر المسار السياسي. ليس لأن الحرب مطلوبة، بل لأن العالم بات يعتبر أنّ بقاء السلاح على حاله أخطر من كلفة الذهاب إلى مواجهة تضبطه بالقوّة. هكذا يتحوّل التفاوض بالنسبة إلى “الحزب” من خيارٍ قابل للأخذ والردّ إلى ممرّ إلزامي تفرضه تبدّلات الإقليم وشروط المجتمع الدولي.
في ضوء ذلك، يتغيّر موقع سلاح “الحزب” داخل المعادلة اللبنانية. السلاح الذي عاش أربعة عقود خارج الزمن السياسي يدخل اليوم زمن المساءلة. لم يعد ثابتًا فوق الدولة، بل عنصرًا تتغيّر شروط وجوده مع تغيّر البيئة التي حكمته. الدولة المنهارة لم تعد قادرة على تحمّل كلفته السياسية والاقتصادية، والراعي الإقليمي المتهالك لم يعد قادرًا على تحمّل كلفته العسكرية، والبيئة الاجتماعية التي صبرت عليه طويلًا لم تعد قادرة على تحمّل كلفته الوجودية.
لا يعني ذلك أن “الحزب” مستعد لإعلان تسليم السلاح، ولا أنّ نزع السلاح جارٍ غدًا. لكن مسارًا جديدًا بدأ يتشكّل: التفاوض لم يعد على وجود السلاح، بل على وظيفته وحدود دوره، وعلى إمكان إدخاله ضمن منظومة أمنية وسياسية لا تمنحه حق تقرير الحرب والسلم. هذا هو التحوّل الحقيقي: إعادة تعريف الوظيفة قبل المسّ بالشكل، على نحو يجعل السلاح، مع الوقت، خارج القرار ولو بقي جزء منه قائمًا ماديًا.
قابلية سلاح “الحزب” للتفاوض ليست إعلانًا من “الحزب”، بل نتيجة مباشرة لانهيار المرتكزات التي حمت هذا السلاح: مشروع إقليمي يتراجع، بيئة حاضنة تتململ، دولة منكوبة، وإقليم وقوى دوليّة يرفضان استمرار معادلة السلاح المتفلت. وعندما تتغيّر بنية القوة، تتغيّر النتائج مهما بدا الخطاب متحدّيًا وصلبًا. وكما تآكلت أسلحة حركات عقائدية حول العالم عبر تفكيك وظيفتها قبل شكلها، يدخل سلاح “الحزب” اليوم المرحلة نفسها: مرحلة لم يعد يستطيع فيها أن يحسم، ولا أن يمنع الآخرين من إعادة تعريف حدوده، ولا أن يستمرّ خارج الدولة كما كان طوال أربعة عقود.
وفي الخلاصة، ليست اللحظة الراهنة لحظة نزع السلاح، لكنها اللحظة التي يبدأ فيها السلاح بخسارة “وظيفته المانعة”، ومعها يفقد القدرة على فرض نفسه قدرًا على لبنان. إنها اللحظة التي ينحدر فيها السلاح من موقع “المقدّس” إلى موقع “السؤال”، ومن منطق الفرض إلى منطق التفاوض ـ وهذه، في حسابات التاريخ، بداية النهاية لأي قوّةٍ لم تعد تتحكم بشروط وجودها.