يواكب اللبنانيّون يومًا بيومٍ مسار التغيّرات الجيواستراتيجيّة في منطقة الشرق الأوسط بترقّب وحذر. فبعضهم لا زال يراهن على أنّ لبنان لن يتمكّن من الخروج من المحور الايراني لأنّ هذا المحور بالتّحديد قد غزا الدّولة العميقة في لبنان، وبالتّالي ستبقى هذه الدّولة تحت سيطرته مهما حدث من تغييرات في المنطقة.
مقابل ذلك، بعضهم الآخر يعتبر أنّ الفرصة الموجودة أمامه اليوم، والتي انتظرها منذ لحظة سقوط حلم الجمهوريّة، مع اغتيال فخامة الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل، أيقونة المقاومة اللبنانيّة الحقيقيّة، أضحت واقعًا بفعل التغيير الجيواستراتيجي الكبير في المنطقة. فهل سيستطيع اللبنانيّون، وسط هذه الموجة من التغيّرات، أن يستعيدوا حلم الجمهوريّة في جمهوريّة قويّة؟ أم أنّ براثن المحور ستتغلّب على موجة التغيير من بوّابة الدّولة العميقة؟
مفاعيل مقاطعة انتخابات 1992، والاضطهاد الذي عانى منه الفريق المسيحي المقاوِم في تسعينيّات القرن الماضي، والذي عومِل كخاسر في الحرب، لأنّ مشروعه تمّ مقايضته لصالح المصالح الجيواستراتيجيّة وقتذاك في المنطقة، زد على ذلك بروز فئة من المسيحيّين الخاضعين بفعل يوضاسيّتهم لمحور سوريا وقتذاك، ذلك كلّه أدّى إلى سيطرة تامّة من قبل هذا المحور على الدّولة العميقة بكلّ أشكالها وفروعها: من التعيينات بكلّ الفئات، إلى أصغر وظيفة في القطاع العام، فضلا عن السيطرة على القرار الأمني وتقويضه لصالح الفكر البعثي. وتمّت متابعة هذه المهتم بعد الانسحاب السوري في 26 نيسان 2005، بتوأمة تكلّلت بين اليوضاسيّين وقوّة السلاح غير الشرعي الذي أضحى أمرًا واقعًا في ما عرف بورقة تفاهم 6 شباط 2006.
هذه البانوراما الجيواستراتيجيّة سقطت إلى غير رجعة. ومخطئ تمامًا هذا الفريق الذي ما زال يراهن على قلب المعادلات الجيواستراتيجية من جديد بالحالة الانتظاريّة – التعطيليّة التي يمارسها اليوم في السلطة من بوّابة المجلس النيابي وسجّان مفاتيحه في الجيب المثقوب بالـ51%. فلن يتمكّن هؤلاء كلّهم من الصمود حتّى دخول عهد الرئيس الأميركي في مرحلة الانتخابات النّصفيّة، وربّما تبدّل الرؤية في المنطقة والخضوع للابتزاز الايراني في مفاوضات نوويّة بصورة جديدة. وذلك لأنّ موجة التغيير هي موجة تسوناميّة حقيقيّة، وهي أساسًا قد جرفت معها هذه الأسس التي أرساها هذا المحور طوال أربعة عقود خلت.
وممّا لا شكّ فيه أنّ الأميركي لن يلعب دور الشرطي في الشرق الأوسط لأنّ المقاربات السياسيّة الجمهوريّة الراهنة في ملفّ السياسة الخارجيّة تختلف تمامًا عن تلك التي كانت سائدة، سواء أكانت ديمقراطيّة أم جمهوريّة. فالأميركي يبحث عن شركاء لا عن حلفاء. وقد وجد في دول مجلس التعاون الخليجي خير شريك له في مشروعه الاقتصادي. زد على ذلك، أن مشروع إسرائيل الكبرى الجغرافي لم يعد في هذا الوقت قابل للتحقيق، لذلك تسعى إسرائيل إلى تسيُّد المنطقة اقتصاديًّأ، وهكذا تكون قد حقّقت رؤيتها للشرق الأوسط الجديد. مَن منّا لا يتذكّر نتانياهو في الأمم المتّحدة عندما رفع خارطة الشرق الأوسط ملوّنة بالأزرق ؟!
أمام هذه الوقائع، لن يتمكّن الفريق المواجِه للهيمنة الايرانيّة من تحقيق التغيير بالضربة القاضية بل بالعمل التراكمي. ولعلّ هذا ما أكسبه على المدى البعيد هذه القدرة على التغيير. لكن الاشكاليّة الكبرى تبقى في الدّولة العميقة التي لن يتمكّن هذا الفريق من إسقاطها إلّا من بوّابة القضاء القادر وحده أن يحاسب. وما إن يماط اللثام عن الحقيقة حتى تلجم الانفعالات الغرائزيّة، والزبائنية المصلحيّة، والليفنتينيّة النفعيّة، ويستعاد زمام السيطرة على القدرة المحاسباتيّة. وبالتّالي تسقط الدّولة العميقة.
صحيح أنّ هذا المسار طويل، لكن ما إن يبدأ ستتهاوى هذه المنظومة الوظيفية في الدولة العميقة كحجارة الدومينو. وهذا ما يجب أن يتزامن مع عمليّة تحديث للنّظام السياسي يبدأ من القاعدة الموجودة في الدّستور المنازِع والمتنازَع على جوهر وجوده. عنيت هنا اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة، وصولًا إلى تطويرها إلى أرقى شكل من أشكال اللامركزيّة السياسيّة – الإداريّة الموسّعة.
مع العلم أنّ الأرضيّة الدّستوريّة مؤهّلة لذلك بحسب الدّستور الموجود، فضلا عن أهليّة الأرضيّة في الأقضية واتّحادات البلديّات. وهذه كلّها مؤهّلة لذلك. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار المنظومة المعطِّلَة في الاستشراس بعمليّة التعطيل وممارسة الديمقراطيّة التعطيليّة خوفًا من تسونامي التغيير.
في الختام، مَن أدرَك هذه الحقيقة سينفد، ومَن لم يدرِك بعد سيسبقه القطار. ومَن لا زال يحاول تأخير هذا التسونامي التغييري متذرّعًا بتراجيديا الحرب التي تسبّب بها هو بنفسه، لهم نقول:
مهما تأخَّر جايي،
ما بيضيع اللي جايي،
عَغَفلِة بيوصَل مِن قلب الضَو،
من خلف الغَيم،
ما حدا بيَعرِف،
هَللي جايي كيف يِبقى جايي.
وليطمئنّوا إيماننا ساطع ولن يتكسّر حتّى انقضاء الدّهر ليبقى لبنان.
