
في الذكرى العشرين لشهادة الشاب الثائر جبران تويني، لا نستطيع الا أن نستعيد يوم 12 كانون الاول من العام 2005 وما سبقه وما لحقه من مؤشرات وقرائن وأدلة،تشير بالأصبع والسبابة والسباب وبالتصرف وبالقلم وبعضمة اللسان الى المتشفي والمحتفي والمحتفل، والى المضلل والمعرقل مما يعزز الشبهات حول هوية وجهة المرتكبين…
تعود بنا الذكرى الى ما تعرّض له الشهيد من تهديدات جدية دفعته الى مغادرة الأراضي اللبنانية الى فرنسا وما لاحقه من إشاعات وافتراءات استدرجته للعودة عبر مطار بيروت، حيث كان بعهدة فلول النظام الأمني السوري ـ اللبناني بالتكافل والتضامن والتعاون مع الدويلة الممسكة بالمطار ومحيطه الواسع.
كما نعود الى التذكير بالتظاهرة
التي نظمها “الحزب” في 13 آذار من العام 2005 في النبطية حيث رفعت فيها لافتات حملت رسمًا لوليد جنبلاط بلباس حاخام يهودي.. وأخرى كتب عليها: “صحيفة النهار ديك الاستعمار”.
كما نعود الى ما لحق بجريمة الاغتيال من احتفالات لجمهور “الحزب” المضبوط على ايقاع منتظم منظم حيث وزعت البقلاوة على المارة في شوارع الضاحية الجنوبية وطريق المطار.
وعلى الرغم من التشفي والشماتة بموت نجله، فقد وجّه عميد النهار الراحل الكبير غسان تويني، رسالة تميّزت١ثص بسمو أخلاقي وتعالي عن الإهانة والجرح العميق،إذ قال يوم دفن نجله وأمام نعشه في 14 كانون الأول من العام 2005: “انا أدعو اليوم في هذه المناسبة، لا الى انتقام ولا الى حقد ولا الى دم، أنا أدعو الى أن ندفن مع جبران الأحقاد كلها، والكلام الخلافي كله، وأن ننادي بصوت واحد ذلك القسم الذي أطلقه في ساحة الشهداء يوم انتفاضة العام 2005، التي ذهب ضحيته، أدعو اللبنانيين جميعًا، مسيحيين ومسلمين، لأن يكونوا واحدًا في خدمة لبنان الوطن العظيم وفي خدمة القضية العربية”.
ولأن المريبَ أبى إلّا أن يشير الى نفسه قائلا :”خذوني”، فقد أعلن والد الشهيد جبران تويني بعد أيام قليلة على رسالة المحبة والغفران وتحديدًا في 18 كانون الأول 2005 أنه سيقاضي المندوب السوري لدى الأمم المتحدة فيصل المقداد أمام المحاكم الأميركية، الذي توصل الى حد القول في نيويورك عقب جريمة اغتيال الشهيد تويني: “ليس كلما مات كلبٌ في لبنان نعمل له لجنة تحقيق دولية”، وإضاف تويني: “لا أطلب الانتقام من أحد وننتظر رأي القضاء.. أريد أن أوضح شيئًا بصفتي رجلاً عمل ستين عامًا في السياسة.. عندما يقول سفير سوريا في الأمم المتحدة ويصدر موقفه في الصحف الأميركية إن ليس كلما مات كلبٌ في لبنان نعمل له لجنة تحقيق دولية، فأنا سوف أقاضيه وأرفع دعوى ضده أمام المحاكم الأميركية”.
كما رد الاستاذ الراحل الكبير غسان تويني على قول وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله أنه “يمكن أن يكون (الشهيد) جبران تويني مستدينًا أموالاً ولم يدفعها فجاءوا وقتلوه”، فقال: “ما هذه الطريقة لتحصيل الدين، فلا يتهموا أنفسهم ونحن لا نتهمهم”.
وكانت صحيفة “ذي صن أوف نيويورك” نقلت في 17 كانون الاول من العام 2005 عن ديبلوماسي في الأمم المتحدة لم يفصح عن اسمه، أن المندوب السوري الدائم في الأمم المتحدة شبّه الشهيد جبران تويني بـ”الكلب”. وذكرت الصحيفة أنه “وفي خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن، سمع أحد الديبلوماسيين رفض كشف اسمه المقداد يقول لديبلوماسي عربي: “الآن وفي كل مرة يموت فيها كلبٌ في بيروت سيكون هناك تحقيق دولي؟”.
واستكمالًا لما ورد على لسان المريبين، فقد افادت أحد برقيات “ويكيليكس” في 6 حزيران من العام 2011 بـ”تورّط حلقة أمنيّة تحيط بالرئيس السوري بشار الأسد ويرأسها صهره آصف شوكت”. كما أفادت قناة “العربية” مساء السادس من تشرين الأول من العام 2012 بأنها حصلت على وثيقة من ضمن المئات التي تكشف عنها يوميًا، تعود “إلى الثاني عشر من كانون الأول 2005 وهي مرسلة من رئيس فرع العمليات في المخابرات السورية حسن عبد الرحمن إلى رئيس جهاز الأمن القومي السابق آصف شوكت”، ويقول عبد الرحمن في الوثيقة “إنه وبمساعدة عناصر من مخابرات الحزب اللبناني تم إنجاز المهمة رقم 213 والتي أوكلت إليهم في العاشر من كانون الأول بنتائج ممتازة”. وتقول القناة إنه “بالتزامن مع توقيت رسالة آصف شوكت بتنفيذ المهمة، وفي نفس اليوم الذي أرسلت فيه هذه البرقية إلى القصر الجمهوري السوري، كانت سيارة مفخخة بانتظار النائب اللبناني جبران تويني، وهو في طريقه إلى العمل لتنهي حياته في عملية اغتيال”.
لقد رضي القتيلُ ولم يرض القاتلُ اذ إن والد الشهيد المفجوع أصر على حتمية “دفن الحقد والثأر ” على الرغم من حملات التجني والتشفي، وقد أصدر كتابه في التاسع من كانون الأول 2010 ،قبيل الذكرى الخامسة لاغتيال الحاقدين المريبين لنجله، تحت عنوان “فلندفن الحقد والثأر ـ قدر لبناني”… ليكن كتاب غسان تويني الذي توفي في الثامن من حزيران من العام 2012 بمثابة وصية محرجة ومُدينة للمريبِ أو القاتلِ، قبل أن تحرج إولياءَ الدم ومحبي ومؤيدي القتيل.
.jpg)