
قبِل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبدئياً بإجراء انتخابات خلال 90 يوماً إذا تمكّن الحلفاء من ضمان أمن العملية الانتخابية. خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول دوافعها وتوقيتها، خصوصاً أنها تأتي في لحظة شديدة الحساسية يسعى فيها زيلينسكي إلى تحسين شروط تعاطيه مع خطة واشنطن الجديدة لإنهاء الحرب. هذه الموافقة لا تعني بالضرورة انتصاراً ديبلوماسياً مبكراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم أن موسكو لطالما ضغطت لتصوير غياب الانتخابات باعتباره دليلاً على افتقار زيلينسكي للشرعية.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب — الذي يكرر أن أوكرانيا “تخسر” الحرب — يرفع منسوب الضغط على زيلينسكي والأوروبيين معاً، ما يضع الرئيس الأوكراني أمام معادلة شديدة التعقيد: إما أن يرفض، فيتهمه ترامب بالعرقلة، أو يقبل ويرمي كرة النار في ملعب بوتين.
في الشكل، يبدو أن زيلينسكي يقدّم تنازلاً مزدوجاً: يلبّي مطلباً أميركياً أساسه مطلب روسي. خطوة قد تُرضي إدارة ترامب لكن من غير المرجّح أن تُسعد الكرملين. فموسكو لا تسعى إلى الانتخابات بذاتها، بل تريد استغلال غيابها لتقويض صورة زيلينسكي أمام الجمهور الغربي. وإن كان لا بد من انتخابات، فهي تفضّل تنظيمها بعد اتفاق يلبّي شروط روسيا— أي اتفاق استسلام ينتزع دونباس ومناطق واسعة من زابوريجيا وخيرسون، بما يحوّل أي انتخابات لاحقة إلى فرصة لإسقاط زيلينسكي شعبياً أو حتى عبر انقلاب داخلي.
بهذا السيناريو، يحقق بوتين مكسبين كبيرين: إنهاك أوكرانيا سياسياً واجتماعياً، وإضعاف استعداد الغرب لمواصلة الدعم. فالتصعيد الداخلي يغني الكرملين عن استنزاف عسكري مكلف على الجبهات ويمنحه فرصة لاستخدام الديموقراطية ضد أوكرانيا بدل استعمال السلاح.
لكن زيلينسكي قد يكون قلب الطاولة. فإذا أجريت الانتخابات قبل تقديم أي تنازل إقليمي فلن تتمكن موسكو من استثمارها كأداة ضرب سياسية. بل قد تزيد شعبية زيلينسكي لأنه صمد أمام الضغوط ورفض الاستسلام، كما حصل بعد المواجهة العلنية مع ترامب في فبراير الماضي. وتشير استطلاعات حديثة إلى تقدّمه الواضح على منافسيه، ما يعني أن فوزه قد يُنهي نهائياً سردية “فقدان الشرعية” التي شيّدتها موسكو وروّجت لها أطراف في واشنطن.
يبقى السؤال: هل ستسمح روسيا بإجراء انتخابات تدرك مسبقاً أنها لن تخدمها؟ أم أنها راهنت على رفض زيلينسكي لهذا المطلب، لتفاجأ بقبوله؟
مع ذلك، تبقى هذه خطوة محفوفة بالمخاطر. فغالبيّة الأوكرانيين — وفق استطلاعات حديثة — يرفضون إجراء انتخابات قبل وقف إطلاق النار، معتبرين أن الأولوية للحرب لا السياسة. كما أن ترامب قد لا يعتبر هذا القبول تنازلاً كافياً بعد.
بالتالي، تبدو موافقة زيلينسكي مقامرة سياسية معقدة… لكن أليست الحرب بطبيعتها سلسلة من المقامرات المحسوبة؟