صحيفة النهار – علي حمادة
قبل يومين، زار السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى رئيس مجلس النواب نبيه بري. بالمناسبة هو من أصول لبنانية، ويتحدث اللغة العربية بطلاقة، بلهجة لبنانية. والسفير عيسى مقرب من الرئيس دونالد ترامب، ويعتبر من أصدقائه الشخصيين.
بانتهاء اللقاء، سئل السفير الأميركي: “هل ستتوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان في ضوء المفاوضات الجارية حالياً؟”، فأجاب بلا تردد باللبنانية: “المفاوضات بين لبنان وإسرائيل مستمرة. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن مسار المفاوضات مستقلّ عن غيره. حتى لو استمرّت المفاوضات فإن إسرائيل تقول إنها لن توقف ما تفعله الآن!”. بمعنى آخر: أوضح سفير الولايات المتحدة من بيروت، ومن مقر إقامة رئيس مجلس النواب اللبناني، حليف “الحزب”، أن الهجمات الإسرائيلية لن تتوقف حتى في ظل المحادثات بين الجانبين اللبناني الرسمي وإسرائيل.
والحال أن المراقبين المطلعين يعتبرون أن مسارعة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى رفع مستوى التفاوض مع إسرائيل تحت راية لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم)، من خلال تعيين السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني المفاوض، أسهم بشكل أساسي بفرملة الاندفاعة الإسرائيلية نحو تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد “الحزب” قبل نهاية العام الجاري، بحيث جرى تعليق العملية وتأجيلها بطلب أميركي، من أجل منح الدولة اللبنانية فرصة لتنفيذ تعهداتها، ولا سيما أنها متهمة بالتلكؤ في موضوع نزع سلاح الحزب المذكور، فضلاً عن تجاهل أمر نزع السلاح شمال نهر الليطاني.
وقد تزايدت التقارير الاستخبارية الإسرائيلية والأميركية التي أكدت أن “الحزب” لا يزال يتلقى تمويلاً من إيران، ويواصل تهريب الأسلحة بوساطة عصابات التهريب عبر الأراضي السورية، ويكثف جهوده لإعادة ترميم قدراته العسكرية بمساعدة مجموعة من ضباط “فيلق القدس”، الذين يعملون على الأرض في لبنان.
ولا تزال الصحافة الإسرائيلية تعكس بتقارير يجري تسريبها من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، مثل “الموساد” و “أمان”، مدى الاستنفار الإسرائيلي بالنسبة إلى ما يقوم به الحزب من جهود كبيرة لإعادة ترميم بناه العسكرية، واستقدام صواريخ قصيرة المدى، يتم تعديلها في لبنان بإضافة مكونات تكنولوجية لزيادة دقّتها، إضافة إلى بناء مشاغل صغيرة منتشرة في العديد من المناطق اللبنانية، مهمتها تجميع مكونات لصناعة طائرات مسيّرة ذات أحجام مختلفة، مخصصة لمهام متنوّعة، بعضها انقضاضيّ مفخّخ، وبعضها الآخر قادر على حمل صواريخ أو قنابل صغيرة. وخطورة طائرات الحزب المسيّرة بالنسبة إلى إسرائيل أنه يجري تصنيعها بكميات كبيرة، وهي صغيرة الحجم، ولها قدرة على إغراق الـدفاعات الجوية الإسرائيلية كالقبة الحديدية، والحدّ من قدراتها الاعتراضية تالياً.
خلال لقاءاتها الأخيرة قبل أسبوع في إسرائيل، وُضعت بين يدي المبعوثة الأميركية إلى لبنان مورغان أورتاغوس تقارير استخبارية، تضمنت تفاصيل متعلقة بعمليات ترميم القدرات العسكرية التي يقوم بها “الحزب”. وأرفقت التقارير بتقديرات استخبارية إسرائيلية، قد يكون مصدرها جهات رسمية في لبنان، مفادها أن الحكومة، وضمناً رئيس الجمهورية، لن تقوم بنزع سلاح “الحزب”، وهي لا تعترض أعمال ترميم الحزب قدراته العسكرية شمال نهر الليطاني، مما يقود حكماً إلى التفكير في وسائل أخرى تتعدى التعهدات الرسمية اللبنانية.
هذه التقارير تناهت إلى مسامع اللوبي الجمهوري في الكونغرس، ويمثله السيناتور صاحب النفوذ الكبير في الإدارة الأميركية ليندسي غراهام، الذي قال يوم الأربعاء الماضي: “لا مستقبل للبنان طالما أنه يتسامح مع وجود الحزب مسلّحاً ولديه رغبة في تدمير إسرائيل”. وأكد أيضاً أنه يدفع الإدارة الأميركية نحو الاستعداد لعمل مشترك مع إسرائيل، داعياً الدولة اللبنانية إلى تعزيز الجيش والعمل مع إسرائيل للقضاء على “الحزب”!
توازياً، من الصعب تجاهل مواقف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، الذي كرّر فيها مرة جديدة الحديث عن أن “إسرائيل ستفعل ما تريد، أينما تريد، وقت ما تريد”. وتصريحات توم براك تذهب إلى ما هو أبعد بتلويحه بأن لبنان وسوريا يجب أن يتوحّدا معاً، بما يعزز فكرة التدخل السوري المحتمل في لبنان مستقبلاً. ويقيننا أن توم براك يميل بقناعاته الشخصية (لكنها لم تأت من فراغ) إلى تعزيز دور تركيا في المنطقة، بدءاً من سوريا. ولا يستثني بميوله هذه لبنان من دور تركي في لحظة مفصلية مقبلة. هذا التفكير يقود أساساً إلى تعزيز احتمال دفع إسرائيل وتركيا إلى الاتفاق على تقاسم النفوذ في بلاد الشام، ولا سيما في سوريا ولبنان. وبالنسبة إلى لبنان، فإن القضاء على هيكلية “الحزب” العسكرية والأمنية بالكامل قد يتطلّب، وفق هذه النظرة، أن يُطبِق الإسرائيليون على مقاتلي الحزب من ناحية الجنوب والبقاع الغربي، والقوى السورية المسلحة من ناحية البقاع الشمالي، بدءاً من خط طريق بيروت – دمشق.
في مطلق الأحوال، يبدو أن الأمل تلاشى في واشنطن بعد تل أبيب بأن تنفّذ الدولة اللبنانية تعهداتها… من هنا، لبنان متجه إلى حرب!