
ما تزال قضية تغييب الأمين العام لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم للشيخ نبيل قاووق، وعدم الإتيان على ذكره في إطلالته الأخيرة، حين راح يعدد العلماء والمشايخ الذين قتلوا بغارات إسرائيلية في الحرب الأخيرة، تتفاعل في أروقة “الحزب”. سيل من الأسئلة يتهامس بها مناصرو “الحزب” حول الأسباب التي دفعت بالشيخ نعيم قاسم إلى تجاهل الشيخ نبيل قاووق، وهو ما هو وما كان داخل هرمية “الحزب” والمسؤوليات الكبيرة والخطيرة التي كان يتولاها، بحيث وصفته بعض التقارير بأنه كان الرجل الثالث، عملياً، من حيث التراتبية في “الحزب”.
نبيل قاووق كان المسؤول التنظيمي في منطقة الجنوب منذ مطلع التسعينيات لغاية العام 2010، أي صاحب المركز القيادي الأعلى في هذه المنطقة، سياسياً وعسكرياً، ومن ثم نائب رئيس المجلس التنفيذي في “الحزب”، وعضو المجلس المركزي (الشورى) أي في قلب القرار والمطبخ السياسي للحزب، ومسؤول وحدة الأمن الوقائي وهي وحدة سرّية للغاية مهمّتها منع الاختراقات والتجسّس داخل “الحزب” وكشف العملاء، فهل يعقل أن يسقط سهواً عند الشيخ نعيم قاسم رجل من هذا المستوى القيادي الرفيع فيُعدد 15 شيخاً قتلتهم إسرائيل ولا يأتي على ذكر الشيخ نبيل قاووق بالمرة؟، أم أن المسألة “فيها إنَّ”؟!.
أسئلة كثيرة تضج بها أروقة “الحزب”، فأي مراقب عادي سيستوقفه بلا شك تغييب نعيم قاسم للشيخ نبيل قاووق وسيعتبره أمراً غريباً، فكم بالحري قواعد “الحزب ومناصروه!. هذه الواقعة دفعت بكثيرين إلى استعادة شريط الأحداث منذ القضاء على نبيل قاووق في أيلول العام 2024، ليتبيَّن أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها تجاهل نبيل قاووق على لسان نعيم قاسم وقيادات “الحزب” الذين لا يذكروه حين يأتون على ذكر القياديين الذين صفّتهم إسرائيل.
ما قاله الشيخ محمد علي الفوعاني يسري كالنار في الهشيم داخل صفوف “الحزب”، إذ صرّح الفوعاني بأنهم اكتشفوا عمالة قاووق فوُضع في شقة ـ في منطقة الشياح ـ كانوا يعلمون بأنها ستُقصف من إسرائيل، والدليل أنه كان لوحده من دون مرافق علماً أن رجلاً مثله يجب أن يكون معه 4 أو 5 مرافقين على الأقل، مضيفاً أنهم اكتشفوا بأنه كان متورطاً، وهو كانت لديه علاقات قوية بالإيرانيين ويُتقن اللغة الفارسية بشكل تام!.
في تقرير سابق لوكالة “رويترز”، أن نبيل قاووق كان هو المشرف على التحقيق في عملية الاختراق الكبيرة بتفجيرات “البيجر”، فهل كان نبيل قاووق يبحث عن المتورطين في هذا الاختراق الذي قصم ظهر “الحزب” أم كان هو نفسه المخترَق؟، وبالتالي يأتي تغييبه من هذا المنطلق بعدما اكتشف “الحزب” تورطه؟.
هذه التساؤلات داخل أروقة “الحزب” يقابلها بمزيد من الصمت والكتمان، فحتى الساعة لم يخرج مسؤول أو قيادي واحد في “الحزب” ليوضح وليجيب على هذه الأسئلة ويزيل الهواجس التي تعصف بمناصريه، على الرغم من أن الأخبار والشائعات والأسئلة تتفاعل بشكل مضطرد، ما يضيف المزيد من الغموض والشكوك حول قضية الشيخ نبيل قاووق.
هذه الحادثة دفعت بكثيرين من مناصري “الحزب” للعودة إلى الذاكرة واستعادة ما صرّح به في فترة سابقة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، إذ تحدث عن تغلغل الاختراق الإسرائيلي إلى أجهزة المخابرات والأمن في إيران، وكشف أن أعلى مسؤول في البلاد لمكافحة التجسس كان جاسوساً لإسرائيل.
الحرب الأخيرة وما تعرّض له “الحزب” وتصفية قياداته العليا من الصف الأول والثاني وصولاً إلى الثالث، فضلاً عن تصفية كبار القيادات الإيرانية في بيروت ودمشق وصولاً إلى طهران نفسها، يكشف حجم الاختراق الإسرائيلي الهائل لمحور طهران. من هنا الخوف والقلق المستشريان في أروقة “الحزب”، فلم يعد بإمكان أحد أن يأمن لأي أحد داخل “الحزب”، وكل الكلام عن كشف الخروقات وإعادة ضبط الوضع، كلام بكلام وفق الوقائع الماثلة، ليس آخرها اغتيال الطبطبائي في قلب الضاحية قبل فترة والاستهدافات وسقوط القيادات يومياً في الجنوب.
ويبقى السؤال مطروحاً من دون إجابة، هل كان نبيل قاووق عميلاً لإسرائيل وتخلّص “الحزب” منه بطريقة مواربة؟، أم أن هناك أجوبة أخرى على قضية تغييبه منذ مقتله حتى اليوم وحرمانه من التكريم المفترض من قبل “الحزب”، يمتنع “الحزب” حتى الآن عن الإفصاح عنها، على الرغم مما يثيره ذلك من أسئلة إضافية وقلق وتوجّس وإرباك لدى مناصريه؟.
