في خضمّ المتغيرات الإقليمية والتراجع الواضح لمحور “الممانعة”، يراهن “الحزب” اليوم على مسارات ثلاثة لمحاولة الحد من خسائره السياسية والشعبية والاستراتيجية، والعودة إلى طاولة التسويات الإقليمية من موقع لا يُقصيه تماماً. يدرك “الحزب” تماماً أنه انتهى بصيغته العسكرية والأمنية، المحلية والإقليمية، الماضية، ولو لم يعترف بذلك علناً حفاظاً على ما تبقى من ماء وجهه، ولأنه لا يجرؤ على مواجهة جمهوره بالحقيقة بعد عقود من الضخ والتحشيد والاستقواء، والاعتداد بخطاب القوة الساحقة التي تبيَّن عند الاختبار الجدي أنها “أوهن من بيت العنكبوت”.
ـ المسار الأول الذي يراهن عليه “الحزب” يبدأ من دمشق، لكن من بوابة أنقرة هذه المرة، إذ تشير المعطيات إلى سعي “الحزب” والثنائي الشيعي إلى استثمار العلاقة المتطورة بين تركيا والنظام السوري الجديد ـ بعد مرحلة ما بعد نظام الأسد ـ لإعادة وصل ما انقطع بعد انهيار التحالف التاريخي مع النظام السوري السابق. هذا الرهان يحمل دلالة واضحة على حجم التغيّرات التي طرأت، إذ بات “الحزب” مضطراً للعب دور الوسيط لا الطرف المقرّر، خصوصاً أن الطريق البري التقليدي للإمدادات من إيران إلى لبنان عبر سوريا بات شبه مقطوع بالكامل؛ في ظل التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة مع سقوط نظام الأسد.
ـ أما المسار الثاني، فيتمثل بمحاولة فتح نوافذ جديدة على السعودية. لطالما اتهم “الحزب” المملكة بالعداء وحرّض ضدها إعلامياً وسياسياً ـ وأحياناً بأقذع العبارات ـ وشارك فعلياً في تهديد أمن السعودية القومي من خلال دعم الحوثيين وتدريبهم وتسليحهم؛ باعتراف الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بالذات الذي أعلن صراحة أن رئيس أركان “الحزب” علي الطبطبائي الذي قضت عليه إسرائيل قبل مدة باستهدافه في شقة بقلب الضاحية الجنوبية، أمضى السنوات التسع الأخيرة في اليمن يقود العمليات. لكن “الحزب” يعود اليوم بخطاب أقل عدائية تجاه المملكة، ويسعى عبر وسطاء إقليميين ودوليين إلى كسر الجليد مع الرياض. قد يكون ذلك مؤشراً على اعتراف ضمني بفشل المشروع الذي خدم السياسات الإيرانية التوسعية لعقود، والذي تلقى ضربات موجعة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.
ـ المسار الثالث الذي يراهن عليه “الحزب”، يتمثل في إمكانية حدوث انفراج في العلاقات الأميركية ـ الإيرانية، وهو رهان يشي أيضاً بحالة الانتظار والارتباك التي يعيشها “الحزب”، وانعدام القدرة على المبادرة الذاتية خارج المظلة الإيرانية، التي هي نفسها تعاني اختناقاً اقتصادياً غير مسبوق، وتخشى من تجدد الضغوط وتزايدها، أو حتى العودة إلى سيناريو المواجهة المباشرة وتلقي الضربات الموجعة في عمق الأراضي الإبرانية، ما يزيد من تحطيم صورة النظام وربما يهدده في العمق.
كل هذه المؤشرات توحي بأن “الحزب” بدأ يدرك حجم الانسداد السياسي والاستراتيجي الذي بلغه مشروعه الإقليمي. فالتحولات الجذرية في المعادلات الداخلية اللبنانية، إلى جانب التغيرات في المزاج الشعبي داخل بيئته، والخسائر التي راكمها بفعل تورطه في حروب خارجية، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، كلها عوامل أجبرته على الدخول في مرحلة “الترقيع” والبحث عن الحد الأدنى من البقاء السياسي.
في قراءة أوسع، إن الحركة الحالية لـ”الحزب” ليست منفصلة عن السياق الإيراني الأشمل، إذ تبدو طهران في وضع دفاعي واضح، سواء في الداخل بفعل الغليان الشعبي المتجدد، أو على مستوى الإقليم، مع تراجع نفوذها في ساحات عديدة كانت تمسك بها سابقاً.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تأخرت هذه المراجعة من قبل “الحزب” إلى حد فقدان القدرة على التأثير في المسارات المقبلة؟، وهل سيُسمح له بالعودة إلى طاولة التفاهمات، أم أن مرحلة ما بعد الهزيمة لا تحتمل أكثر من إدارة الانكفاء؟.

