
ترتفع تراتيلها في وديان قاديشا، عابرة القرون والأزمنة. تتصاعد كالبخور لتُسمع السماء صوتها ويرجع على لبنان بركات وتقديس، ليست السريانية مجرد صلوات، بل هي صدى للهوية المتجذرة في المسيحيين، لا سيما الموارنة منهم. إنها لغة الأجداد، التي لا تزال تنبض بالحياة في قلب الطقوس، لتؤكد أن لبنان ليس مجرد بقعة جغرافية عادية، بل هو مستودع الحضارة الكبير، وتاريخ فريد في المنطقة.
يمكن اعتبار جبل لبنان، بوعورته وعزلته، الحصن الذي حمى الموارنة عبر التاريخ، وحمى معهم لغتهم السريانية. لم تكن السريانية مجرد لغة لاهوتية، بل كانت بفرعها الشعبي الآرامي المحكي، لغة الحياة اليومية في كثير من القرى والمناطق الجبلية لقرون طويلة، قبل أن تتراجع تدريجيًا أمام انتشار اللغة العربية لعدّة أسباب نتعمّق فيها لاحقًا. هذا الارتباط لم يكن صدفة، السريانية هي الوعاء الذي حفظ تراث وتاريخ الكنيسة، ووثّق صراعها عبر الأيام الغابرة، وبنى تقاليدها. حتى اليوم، يستمع اللبنانيون إلى أسماء القرى والعائلات والعديد من المفردات السريانية التي يستعملونها في يومياتهم، مثل كلمة كرسي ܟܪܣܝܐ مثلاً وهي غير موجودة في قاموس اللغة العربية إنما اسمها مقعد أو مكان الجلوس. بالواقع، الجذور السريانية عميقة ومتشعّبة في تفاصيل الحياة اليومية لهويتنا، ونحن لها لجاهلون.
تظهر اللغة السريانية اليوم في القداس الماروني والقداديس السريانية الأرثوذكسية. هذه اللغة ليست مجرد إضافة جمالية للقداس ورهبة له، إنما أساسه التراثي. وعلى الرغم من وجود اللغة العربية، تبقى السريانية الناقل الأصيل للصيغة اللغوية والطقسية المشرقية القديمة. عندما يُردّد الكاهن والمؤمنون في الصلوات عبارات مثل “قديشات آلوهو” (قدوس انت الله أو ܩܕܝܫ ܐܬ ܐܠܗܐ)، فإنهم لا ينطقون فقط بكلمات مقدَسة ومقدِسة، بل يربطون أنفسهم بسلسلة حلقات متصلة من الإيمان والعلاقة بالملائكة القديسين، تعود هذه العلاقة إلى آباء الكنيسة الأوائل. فالسريانية هي المفتاح، هذا المفتاح الذي يفتح كنوز اللاهوت الماروني الكبير، ويمنح الطقس عمقًا تاريخيًا وقيمة لا يمكن ترجمتها بالكامل. إنها اللغة التي تتجاوز الترجمة اللفظية لتصل إلى المعنى الروحي والعميق.
في خضمّ التحديات الثقافية العالمية، يصبح الحفاظ على السريانية وتعليمها ممارسة ضرورية لا تقل أهمية عن الحفاظ على المخطوطات والقلاع الأثرية. لا نقصد تحويلها إلى لغة محكية بالكامل، لأننا غالبًا ما حاولنا وعبر السنين، ولم نستطع حتى الآن، ولكن ما نريده هو ضمان بقائها لغة حية في الممارسة الطقسية أقله، ووعاء للتراث اللبناني المسيحي. إن دعوتنا لتعليم اللغة السريانية في الجامعات والمدارس، وتشجيع الموارنة على فهم صلواتهم السريانية وممارستها، هو من أجل استرجاع الهوية اللبنانية وتثبيتها.
إذًا، يظل تمسّك لبنان بالسريانية، عبر كنيسته المارونية وكنيسته السريانية الأرثوذكسية، دليلًا ساطعًا على التعددية التي يمثلها، فهذا البلد الذي يحتضن التنوّع اللغوي والتاريخي، يقدم نموذجًا فريدًا في الشرق الأوسط. فالسريانية في جبل لبنان هي لغة الأجداد ولغة الرهبان الذين نسمع صوتهم بعمق تاريخنا، وعندما نصلي بالسريانية نشعر بمسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الذي لا يقدّر بثمن والذي يجعل من لبنان، ومن هويته، قصة خالدة في العالم، حيث تجمّعت المساحات الجغرافية الشاسعة وتراكمت مئات السنين وتمركزت وتركّزت في هذا الإرث والغنى في جبل مختار من الله اسمه لبنان.