صحيفة النهار – علي حمادة
من المهم التوقف عند صفقة الغاز الضخمة التي عُقدت بين إسرائيل ومصر وأُعلن عنها، عبر بيان صدر يوم الأربعاء الفائت من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد المصادقة عليها.
وفي التفاصيل أنها الأضخم تاريخياً بين البلدين، إذ تبلغ قيمتها ما يقارب 130 مليار دولار تحصل عليها إسرائيل في مقابل تصدير أكثر من 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى مصر حتى عام 2040، حتى استيفاء جميع الكميات المنصوص عنها في العقد.
والجدير بالذكر أن مصدر الغاز هو حقل “ليڤياثان” الإسرائيلي الذي تبلغ احتياطاته أكثر من 600 مليار متر كعب. وبذلك ستتحول كل من مصر وإسرائيل إلى شريكين تجاريين كبيرين نظراً إلى ضخامة العقد قياساً على حجم اقتصادات البلدين. وصحيح أن بين البلدين اليوم عقداً لتصدير غاز إسرائيلي إلى مصر، لكن الكميات لا يمكن مقارنتها بالكميات المتفق حولها في العقد الجديد ولا في مدته.
هذا الخبر اقتصادي ومهم جداً، لكنه ببعده الجيوسياسي أكبر، لا سيما أنه يعني بلدين متجاورين بينهما معاهدة سلام من دون تطبيع فعلي في العلاقاتK ما خلا العلاقات الأمنية والسياسية على أعلى المستويات.
وبالرغم من فداحة الحرب في غزة التي شهدت توتراً كبيراً في العلاقات بين إسرائيل ومصر على خلفية تعاظم أعداد الضحايا وحجم الخراب الذي أصاب قطاع غزة، فإن التوتر ظل محدوداً ضمن ضوابط لم يتجاوزها أيّ من الطرفين؛ فبرغم جميع احتجاجات مصر ضد الممارسات الإسرائيلية في حرب غزة، وحشد أعداد من الآليات المدرعة على تخوم مدينة رفح في جانبها المصري، استمرت مصر في لعب دورها كوسيط بين حركة “ح” وإسرائيل، وحافظت على علاقاتها المميزة مع الجانب الأميركي الذي كان إثر هجوم “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر قد أعطى ما يشبه الضوء الأخضر لإسرائيل لكي تقوم بقلب الطاولة الإقليمية فوق الجميع، بدءاً من حركة “ح” في غزة، وصولاً إلى مجمل الساحات التي كانت إيران تتمتع فيها بنفوذ حاسم.
وعلى رغم قسوة الحرب على جبهات غزة ولبنان، لم تتأثر العلاقات بين إسرائيل وشريكتها في معاهدات السلام التي عقدت في نهاية القرن الماضي في كامب ديفيد ووادي عربة. وقد صمدت المعاهدتان إلى حد أتت فيه ظواهر اقتصادية مثل العقد الضخم الذي تحدثنا عنه في مطلع المقالة لتدل على أن منطق الدولة في الشرق الأوسط أثبت في مكان ما قدرة على تجاوز أزمات وحروب مفتعلة عمل لتفجيرها المحور الإقليمي الذي تقوده إيران. فإيران كانت تسعى من خلال محور “وحدة الساحات” الذي كان في أوجه عشية عملية “طوفان الأقصى” إلى توريط الدولة العربية التي ما استطاعت أن تخترقها في حرب مع إسرائيل. كان من الواضح أن طهران لعبت الدور الرئيسي في التحضير لها لكي تكون حربها بالواسطة تحت شعار “الطريق إلى القدس”.
لم تسقط مصر في الفخ الإيراني، كما لم تسقط في فخ إسرائيل التي حاولت أن ترمي عليها وزر استقبال مليوني مواطن من غزة، كان الهدف تهجيرهم إلى شبه جزيرة سيناء المصرية. وبالموازاة لم يسقط الأردن الذي تعرض لأقسى الضغوط من جماعة “الإخوان المسلمين” وعلى الحدود الشرقية من ميليشيات “الحشد الشعبي” العراقية، ومن الشمال من عصابات المخدرات وتهريب الأسلحة التابعة لـ”فيلق القدس” المتمركز في سوريا، ومن الجو صواريخ إيران ومسيّراتها في طريقها إلى إسرائيل. نجحت مصر في احتواء الغضب الشعبي من ممارسات إسرائيل خلال حرب غزة، وضبطت استقرارها وعلاقاتها الاستراتيجية مع الأميركيين ودول الخليج العربي، ونجح الأردن في ضبط شارعه الغاضب، وسط تحديات كبيرة أنتجتها الحرب على غزة.
تفيدنا الصفقة المصرية – الإسرائيلية الضخمة بأن المنطقة صارت في مكان آخر بعيداً عن الشعبوية والشعارات القديمة، وبأنه من الممكن أن تتعايش مصلحة الدول مع مزاج الشارع المختلف عن سياساتها. بمعنى أن الشعب المصري كان غاضباً مما رآه في غزة، لكن غضبه لم يدفع به إلى إحياء مطالبات بالتورط في حروب جديدة. أما الحكم فبقي يقاتل ديبلوماسياً محافظاً على حرية خياراته الاستراتيجية بما حال دون أن تتسلل إيران إليها.
ومن الناحية العملية يكتشف الإيرانيون أن العالم العربي لم يسقط في فخها التاريخي. ولم يمنحها منصات جديدة لتعزيز نفوذها، لا بل إنها خسرت ساحتين أساسيتين هما سوريا ولبنان، وحوصرت في العراق وصولاً إلى عقر الدار خلال حرب الأيام الـ12.
وفيما تنطلق مرحلة عربية جديدة في الخليج العربي، ومصر والأردن وسوريا ولبنان (الذي وقّع أخيراً على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع جزيرة قبرص)، بقيت إيران على قارعة المنطقة تواظب على إعادة تدوير مقاربات جيوسياسية قديمة، تحت ثقل الشعارات التي صارت مرفوضة ليس في العالم العربي فحسب، بل في قلب طهران نفسها. إيران – الحكم لم تتغير، لكن المنطقة تغيرت كثيراً!