#dfp #adsense

ثورة الميلاد.. التَّسابيح المتمرِّدة

حجم الخط

يسوع المسيح

“كان في العالم، والعالم به كوِّن، والعالم لم يعرفه. جاء إلى خاصَّته وخاصَّته لم تقبله”!

أتانا من لدن الكليِّ الأبوَّة والرحمة عابرًا رحِم الكليَّة الأمومة والبتوليَّة. هل للعالم كاشف حسيّ بصريّ يؤهِّله إدراك غاية هذا التَّزاوج بين الكلمة المولودة جسدًا وبين الجسد المرتبط بالكلمة التي كانت منذ البدء سرّ زواج بين الروح القدس وعذراء من النَّاصرة تدعى مريم. من ولادة رتيبة تتمِّمها القابلة، إلى ولادة ثورويَّة أنهضت الشَّعب الجالس في الظُّلمة دهورًا كان يبصر نورًا عظيمًا ويصغ السَّمع إلى رقيم أبويّ قدّوسيّ، تتلوه أجواق الملائكة على مسامع رعيان القطعان الحلوبة وعبرهم إلى المسكونة بأسرها: “لقد ولد لكم مخلِّص في مدينة داوود. المجد الله ومسرَّة الناس كانت ولادته، وسجلُّ نفوس أهل بيت لحم ومعه سجلاَّت بلاد اليهودية جمعاء، فإنَّ هذا المولود من تعاطف الأمومة مع العذرية أسمه قدوس!!

 

وصار إنسانًا

قبلكَ يا ابن الإنسان أين حطَّ فينا الإنسان وانحطّ، وشريعة “السِّن بالسِّن والعين بالعين” قد اقتلعت منَّا أسنان الطفولة وغرست مكانها أنياب الذئاب وأربكت في عيوننا نقاوة البصيرة، حتى بتنا نرى الغفران مذلَّة. يسوع ابن الإنسان هي أسمى صفات الذي صار إنسانًا وسكن بيننا. صفةٌ كانت الأكثر غلاوة على قلبه والأحب سمعًا عند تلاميذه. ابن الإنسان أنصف الإنسانية إنصافًا إلهيًا، رافضًا التمييز والتَّصنيف بين بشريَّة هي بأكملها على صورة الله ومثاله في أكمل وأنقي مثالية بين الأب والأبن.

يسوع ابن الإنسان ثورة أرضيَّة سماوية دائمة وشاملة قد نصَّ يسوع مبادءها بنفسه وعنونها وأكَّدها بآية: “أنا لن أدعوكم بعد اليوم عبيدًا، بل أحبَّائي”.

جميع آباء الأرض هم يوسف عند يسوع، وجميع أمهات الدنيا لهم قرابة أمومة مريم وقدوتها وشفاعتها. وجوه أخوته في قارات الأرض الخمسة متعددة الأجناس والألوان، وجميع أجناسهم وألوانهم هي أجناسه وألوانه المفضَّلة. ابن البشر واجه التَّصنيف والتَّمايز رافضًا التَّعامل بأعراف أبناء الأصل والفصل والتَّعريف بالحسب والنَّسب. أعياد ميلاده تتوالى، لكنَّ حياته الأرضية ثابتة في موقعها وهو الذي ابتدأها من أدناها وأفقرها وأقفرها .

الذين أقفلوا أبواب الرحمة والمرؤة والنَّخوة والشهامة بوجه عذرائه وقد صارت على لياليها، يعرفهم بالإسم والعنوان، لكنَّه ومن كلِّ قلبه يسامحهم إن تمسحنت ضمائرهم ورمَّموا بالتَّعاطف قلوبهم، فالحبالى الفقيرات أمثال سلطانة ولادة الفقراء، لا تزال طريقهنَّ شاقة وطويلة للوصول بحبلهنَّ ومخاضهنَّ إلى بيت لحم!!

 

ملكٌ من خارج سفر الملوك

أسفار الملوك الأربعة ما كان اسمه بين أسمائهم ولن يكون. رائحة دماء أطفال بيت لحم المسفوكة لأجل ميلاده تملأ أرجاء السماوات حتى يوم الدين والدينونة.

ما غاب هيرودس عن باله ولن يغيب، فكيف ينتسب لملوك الأرض وقد “تآمروا على الرَّب وعلى مسيحه”، وكيف يهادنهم وعويل راحيل وبكائها يتعقَّب قصورهم في أصقاع المعمورة قصرًا قصرًا، ويطارد جزَّاريهم جزَّارًا جزَّارَ. راحيل الرضَّع المذبوحين، ما زالت حتَّى اليوم وما بعده ترفض أن تتعزَّى إلى يومٍ تعتَقل فيه العروش وتساق إلى ساحة الرّامة ويتم حرقها أمام أعين الأوغاد الأجلاف الخائفين على ملكهم من الاندثار وعروشهم من التهاوي. يوسف السَّكوت الذي حذَّره ملاك الرب من أنَّ الطّاغية يسعى وراء الصبي لإهلاكه، ها هو يجمع حوائج مريم أمة الله ويسوعهما الفتى، عائدًا بعائلته بعد تهجير دام أعوامٍ سبعة في بلاد الفراعنة، إتمامًا لنبوءة: “من مصر دعوت أبني”. يسوع المولود ملكًا ليس لملكه انتهاء، إنَّه ومنذ عودة ملوك هداياه عن غير طريق ملك اليهودية الضّاري، يخطِّط للثأر لدماء رضعاء، ذنبهم الوحيد أن أعمارهم تقارب عمره، وقد أتمَّ ثأره ذبيحًا مولودًا على خشبة صليبه قيامةً لهم وله وللبشرية جمعاء!!

 

ملائكة التَّسابيح تتمرَّد

لن ترفع التَّسابيح الميلادية والهللويات الزيَّاحيَّة إلاَّ ليسوع المولود بين أطفال مجتمعاتٍ مرذولة من مجتمع المكانات والمقامات… لن تسبِّح إلاَّ ليسوع المولود بين أطفالٍ لا مساكن لولاديهم إلاَّ عند ضفاف المستنقعات، وحيث يسكن خبز أطفال عائلات عمّال المناجم، وحيث تتصيَّد الأمهات طعام البنين من ما تتكرَّم به نباتات الحقول… ليلة الميلاد لن يحتفل الكاروبيم إلاَّ بولادة ابن مريم حيث يولد أطفال لا أمهات لهم غير المنذورات لأطفال المياتم، وحيث يولد أطفال أمهاتهم شبيهات بمريم المجدلية، قبل أن تسكب دمعها وطيوبها على قدمي غافر خطاياها ورادع حجارة وخناجر وألسنة فريِّسية الرَّاجمين عن إعدام مثيلاتها المحكومين رجمًا حتى الموت، جسدًا وهتكًا للأعراض والصِّيت والسّمعة من قبَل مطاوعيّة “الشَّرف الرَّفيع” وحرّاس الفضيلة ومعظمهم حيّات أبناء أفاعي… ملائكة بيت لحم الثائرين يواكبون وحيد الآب والبتولة في رحلة انتقال ولادته من ضيافة رعيان مروج بلاد الجليل وروابيه، إلى ضيافة يوحنا الدون بوسكو، وضيافة منصور دي بول، وضيافة تريزا دي كلكوتا، وجميع طوباويي وقديسي احتضان أطفال الأزقَّة ومربى الشوارع وسائر المرذولين، الذين تعاون الجهل والفقر المدقع والمجتمع الراقي لرميهم على قارعة التشرُّد والموبقات والجريمة!!

على الرغم من هذا الزَّمهرير العشوائي الضَّارب روحيًا في مفاصل معظم المفترض أنهم مدعوون لحملٍ أسمك والذَّهاب به إلى الأمم، في حين تتكاثف طبقات الجليد فوق آنية الوسم بالميرون الكهنوتي، ومخاطر الانزلاق الخطير تلوح لأقدام المبشِّرين المهرولين إلى سرديات حوار الأديان وتلاقيها وعناقها وتصاهرها، فالتبشير باسم الآب والأبن والروح القدس مكلف جدًا وشهداء الإرساليات أصدق شهود… ولأنَّ المواربة الإيمانية والتَّقيَّة اللفظية والشروحات الإنجيلية المتعرِّجة، واللجوء إلى ديبلوماسيّة المهادنة والمداهنة عند تبريرهم آية التّأكيد: “سيأتي من بعدي أنبياء كذبة يضلَّون الناس “…

ها نحن البسطاء بالروح يا ابن الله والعذراء والناس والبشر، نطالبك بتثبيت ولادتكَ ومزودك وهداياك ونجومك وتهاليل ملائكتك داخل مغارة رعيان القطيع وسائر محيطها وليس أبعد. هؤلاء السَّاهرون على مواشيهم في هجعة الليل، هم الأقرب شكلاً وجوهرًا إلى أنبياء نبوءة: “ها إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا يدعى عمّانوئيل”، وهم الأعلم بمرَّات من معاهد اللاهوت واللاهوتيين ببساطة راعوية تخزي بلاغات البلغاء وعلوم علماء الشريعة الجديدة وتعليمهم الأشبه بالمشارعة… مشارعة تخضع طفل المغارة لفحوصات مختبرات الجامعات اللاهوتية الأكثر تطورًا وحداثة لكنها متضاربة في التحاليل وإصدار النتائج…

جوهر حكاية ميلادك يا يسوع تقوم على هذه الحقائق الأساسية الثابتة: آبٌ أرسل أبنه الوحيد نورًا للأمم… ابنٌ أحبَّ خاصَّته أحبَّهم إلى الغاية… صبيَّة وادعة أجابت المرسل من لدن الله: “ها أنا أمة للرب فليكن لي بحسب قولكَ”… نجَّار بار ظهر عليه ضميره المنوَّر بوجه ملاك الروح القدس… رعيان لهم كبَر أخلاقهم وكبير شهامة ملاقاتهم الغرباء عن رحمة البشر… وساروفيمياتٍ تصدح وأوتارها الصوتية تغمر شعوب المسكونة بأجمعها: الشَّعب الجالس في الظلمة قد أبصر نورًا عظيمًا!!!

هلل هلل هللونوي.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل