.jpg)
صدر مؤشّر الذّكاء العالميّ للعام 2025، وقد خصّصت الدراسةُ البلدانَ العربيّة لتحديد نسبة الذّكاء عند كلٍّ من شعوبِها، وخَلصَت الدراسة إلى “اعتبار أنّ الشّعب اللّبناني هو الأكثر ذكاءً، بنسبة 99.4 نقطة، ما يؤكّد على تفوّق اللبنانيّين في اختبارات الذّكاء التي تقيس سرعة البديهة، والقدرة على حلّ المشكلات في بيئاتٍ متغيّرة”.
لسنا نشكّكُ، حسبَ تصنيفات الذّكاء المعروفة، بنتائج المرجع العالمي، بالرّغم من أنّ معدّل الذّكاء ليس مقياسًا كاملًا للذّكاء البشري، لأنّه لا يقيس كلّ الجوانب، ويتأثّر بعوامل وأدواتٍ تختلفُ بين بيئةٍ وأخرى، كما يعتمدُ على عيّناتٍ من النّاس، هي أيضًا متفاوتة. إنّ ابتهاجَنا بالنتيجة ليس في غير وقتِه، ولم يُحدِثْ صدمةً نوعيّة تُعيدُ الوَعيَ إلى ذاكرتِنا بأنّ ذكاءَنا صرخةٌ لها صدًى، وأنّ زمانَه لم ينقرض.
ولكن، يجدرُ بنا ألّا نَهيمَ بإفراط حتى نشردَ عن سلوكيّة المنطق، والتي تشكّلُ، بذاتِها، موضوعيّةَ التّعاطي مع الحقيقة، ركنَها الثّابت، عندما تَتمُّ الدعوةُ إلى استدلالِ مكوّنات الذّكاء، لدى اللبنانيّين، للوصول إلى استنتاجاتٍ لا تُدَوِّرُ الزّوايا. وكذلك، لن نستغرقَ في سوداويّة مُطلقة فرضَتها الوقائع التي تدرّجت من سيِّئٍ إلى أَسوأ، على مَرّ الزّمنِ المشهود.
أمّا الإشكاليّة الحتميّة، فهي: لمّا كان الذّكاء هو حُسنَ استعمال العقل للوصول إلى أفضلِ تصرّف أو قرار، هل يمكنُ اعتبار الشّعب اللبنانيّ قد تعاطى بطريقةٍ مفيدة وفعّالة، ولمّا يَزَل، لمواجهة مشكلات البلاد، وإيجاد الحلول النّاجعة لها؟.
من الطبيعي الاعتراف بأنّ الشّعبَ اللبنانيّ يتمتّع بذكاءٍ حادّ، ويمكنُ تَبيُّنُه في نجاح المبادرات الفرديّة، والقطاع الخاص، وفي تفوّق المنتشرين في المغتَربات. لكنّ اللبنانيّ فاشلٌ في معالجة القضايا الوطنيّة الداخليّة، لأنّه تبنّى نظامًا طائفيًّا غيَّب دولة القانون والمؤسّسات، وقسَّم السلطة، وعطّلَ الإصلاح والمحاسبة، وأَفسحَ للفساد والمحاصصة والصّفقات، ودمّر الاقتصاد، وشرّعَ لتدخّلات الخارج الذي ارتهن القرار الوطني، وزجّ الوطن في صراعات إقليميّة بدلًا من الحياد… ما جعلَ إدارات الدولة غير ذي فاعلية، فَقَبعَ النّاس في مستنقعات الجوع والفَقر والعَوَز والبطالة والتضخّم وخسارة ودائعهم، وانهيار خدمات الدولة، وانعدام الثقة بالحاكمين…
إنّ تراخي الذّكاء عن إيجاد حلولٍ رشيدة فاعِلة لقضايا الوطن المعقَّدة، وفي طليعتها الأزمة السياسيّة وارتباط الاقتصاد المأزوم بها، قد أدّى إلى شللِ الدولة، واستشراء الفساد، واندلاع الصّراعات الداخلية المسلّحة، وانحياز المواطنين إلى مرجعيّاتهم الطائفيّة بديلًا عن الدولة، وتفاقم الدَّين العام، وتَعاضُد المافيا والميليشيا للاستئثار بالسلطة…
وبعد، وبالرّغم من أنّ البعض، أفرادًا ومؤسّسات، قد حاول تقديم حلولٍ محدودة التأثير بسبب التعقيدات السياسيّة، لكنّ هذه المبادرات لم تأخذ بالاعتبار إلّا المصالح الخاصة للمتنفّذين لا للشّعب. فأين خطط إصلاح النّظام السياسي، ومحاربة الفساد، وتوفير الخدمات على أنواعها، وتسليح الجيش، وإعادة هيكلة الدَّين العام، وإيجاد مخارج للقطاعات وأبرزها الكهرباء والمياه والزراعة والنفايات والصناعات المحليّة والتّعليم، وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي حفاظًا على ودائع الناس…”.
لم يقدّم فريق السّلطة، منذ أمدٍ بعيد، سوى طروحات هجينة لا تتجاوب مع آمال الشّعب، ومع مطالبه المحقّة، بسبب الاعتبارات المذهبية والطائفية والسياسية والشخصية، وحتى الارتهانات الخارجية، ما أجهضَ كلَّ جديّة، وأَعدَمَ كلّ ثقة بالمرجعيّات، لذلك، دفعَ المواطنون، جرّاءَ الوعود الكاذبة والتّقاعس والإهمال، أثمانًا باهظة الكِلفة وعلى مختلف الصعد.
وبعد، إذا وضعنا عيوبَ المجتمع، دولةً وشعبًا، على حدِّ السكّين، لا يسعُنا سوى أن نستعيرَ من ابنِ الشّعب “عمر الزعنّي” ما قالَه واصِفًا الحال، وكأنّه لا يزالُ في الحَيّ: “الدنيا قايمة والشّعب غافل، راحت بلادكم وما حدا سائِل”…