تتسارع الأحداث الميدانية والسياسية في لبنان، ومعها تتكشف فجوات عميقة في الخطاب الذي يتبناه “الحزب” تجاه الدولة اللبنانية ومؤسساتها. ففي الوقت الذي يواجه فيه لبنان تحديات وجودية، تبرز مفارقة مثيرة للسخرية في تصريحات قادة الحزب، وعلى رأسهم الشيخ نعيم قاسم، الذي يتهم الدولة تارةً بتقديم “تنازلات مجانية”، بينما يشير الواقع التاريخي والسياسي إلى أن الحزب هو من أضعف الدولة عمداً لتقوية نفوذه “الأيديولوجي”.
من المضحك والمبكي في آنٍ واحد، أن الطرف الذي عمل لسنوات طويلة وبسابق تصور وتصميم على تقويض ركائز الدولة، هو نفسه من يتباكى اليوم على “سيادتها” المتخيلة. لقد قامت استراتيجية الحزب منذ عقود على بناء “دويلة” داخل الدولة، بجيشها الخاص، ومؤسساتها الموازية، وقرارها السيادي المرتبط بمرجعيات خارجية لا تمت إلى لبنان وثقافته بصلة.
تعرب مصادر سيادية عن أسفها للحال الذي وصل إليه الشيخ نعيم قاسم في خطاباته الأخيرة، إذ يبدو أن قاسم وجد نفسه فجأة في سدة قيادة لم يعتد عليها، ويواجه استحقاقات كبرى لا يجيد إدارتها سوى بلغة التخوين وتوزيع الاتهامات.
تضيف المصادر عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني: “من المؤسف جداً أن يعتبر الشيخ قاسم الإجماع اللبناني الداخلي على ضرورة نزع سلاح الحزب وحصر السلاح بيد الدولة “مشروعاً إسرائيلياً وأميركياً”. هذا الخطاب يتجاهل أن المطالبة ببسط سلطة الدولة نابعة من صلب اتفاق الطائف، وهو الميثاق الوطني الذي أجمع عليه اللبنانيون لإنهاء الحرب الأهلية وبناء المؤسسات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أصبح “اتفاق الطائف” بنظر الحزب مشروعاً صهيونياً أيضاً؟
في السياق ذاته، توقفت المصادر السيادية عند قول الشيخ قاسم، “لا تطلبوا منا شيئاً بعد اليوم”، واصفةً هذا التصريح بالمثير للسخرية، فالحقيقة المرة هي أن أحداً من اللبنانيين لم يطلب من الحزب أن يورط البلاد في حروب “إسناد” لا تخدم المصلحة الوطنية العليا، لم يطلب اللبنانيون من الحزب الدفاع عنهم خارج إطار الشرعية، لم يفوضه أحد لاتخاذ قرار الحرب والسلم بعيداً عن طاولة مجلس الوزراء، لم تكن “جبهة المشاغلة” مطلباً وطنياً بل كانت استجابة واضحة لما يطلبه “مرشد طهران”.
على المقلب الآخر، يشهد الجنوب تحولاً دراماتيكياً في طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث انتقل الجيش الإسرائيلي من المواجهة التقليدية إلى نمط “التدمير النفسي والمادي الممنهج”، إذ تتداخل في هذه المواجهة أدوات القوة الخشنة، متمثلة في عمليات التسلل والنسف، مع أدوات الحرب السيبرانية والاستخباراتية التي كشفت عن خروقات واسعة في صفوف الحزب.
مصادر أمنية ميدانية، تعتبر عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه في الآونة الأخيرة، اعتمدت إسرائيل نمطاً تصعيدياً يهدف إلى جعل القرى الحدودية “مناطق غير قابلة للحياة”، لم يعد القصف من بعيد هو الوسيلة الوحيدة، بل أضافت إسرائيل تكتيكات ميدانية مباشرة تشمل، تسلل الوحدات البرية: تقوم وحدات خاصة بالتسلل إلى بلدات الحافة الأمامية، حيث تعمل على تدمير منازل محددة وتسويها بالأرض قبل الانسحاب، كما تحول إلقاء القنابل عبر المسيرات إلى فعل يومي، يستهدف بدقة أرزاق السكان وبيوتهم لزرع رسالة مفادها أن “العين الإسرائيلية ترصد أدق التفاصيل”.
تشير المصادر ذاتها، إلى أن القيادة العسكرية الإسرائيلية تهدف من هذه العمليات إفهام سكان القرى الأمامية أنهم في دائرة الخطر الدائم، مما يقطع الطريق أمام أي محاولة للاستقرار أو العودة، ويحول تلك القرى إلى “ساحة محروقة” خالية من أي بيئة حاضنة.