
تعيش بيروت ومداخلها في الأيام الأخيرة حالة من الازدحام الخانق الذي لم يعد يُفسَّر فقط بعجز البنية التحتية أو غياب التنظيم، بل يكشف، بحسب خبراء ومتابعين، عن ظاهرتين متلازمتين: توافد ضخم ومفاجئ للبنانيين المغتربين، خصوصاً من الخليج وأوروبا، وأعداد محدودة من دول الاغتراب الأبعد ككندا وأوستراليا وأميركا، إضافة إلى بعض الزوار العرب، خليجيين ومصريين وعراقيين وأردنيين، في مقابل انهيار متواصل للبنى التحتية وتخلٍّ رسمي واضح عن أي حلول ولو مرحلية ومؤقتة.
يرى الخبراء، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هذا التوافد اللافت مع حلول الأعياد، الميلاد ورأس السنة، أعاد بعض الحيوية إلى الأسواق، وخصوصاً القطاع السياحي والمطاعم والفنادق، التي كثّفت توظيفاتها خلال الأسابيع الماضية لملاقاة هذا الموسم، الواعد نسبياً، في ظل أزمة اقتصادية خانقة. والمفارقة أن العديد من الزوار العرب، من عراقيين وأردنيين ومصريين، انضموا إلى مشهد بيروت المزدحم في عيدي الميلاد ورأس السنة، ما يشير إلى استعادة العاصمة بعضاً من مكانتها الإقليمية كوجهة سياحية، وإن بقدرة محدودة.
لكن هذه الحركة الإيجابية يصطدم وهجها بجدار الواقع المتردي، وفق الخبراء، حيث لا خطط لتخفيف الازدحام، ولا صيانة كافية لمعظم الطرقات بالمستوى المطلوب، ولا قدرة فعلية للدولة على تنظيم هذا التدفق. وكأن بيروت اليوم وجه مزدوج: مدينة تتنفس من خلال أبنائها العائدين وزوارها، وتختنق في الوقت نفسه بفعل فوضى مزمنة وتقصير متراكم.
يؤكد الخبراء، أنه لا يمكن تجاهل أن ما تشهده بيروت يعكس تعطّش اللبنانيين إلى الفرح، وتمسّكهم بالوطن على الرغم من كل شيء، لكنه يكشف أيضاً الحاجة الملحّة إلى دولة فاعلة تُعيد للناس ثقتهم بقدرتها على إدارة بلدهم كما يليق.
في الإطار ذاته، يرى الخبراء والمراقبون أن موسم الأعياد هذه السنة يحمل رسالة مزدوجة: من جهة، يُظهر استعداد اللبنانيين في الداخل والخارج لدعم الاقتصاد ولو بالحد الأدنى، ومن جهة أخرى، يُعيد تذكير المسؤولين بأن الفرص لا تزال ممكنة إن وُجدت الإرادة والنية الصادقة لإصلاح الحد الأدنى من المرافق الأساسية. فالحركة الموسمية، مهما كانت قصيرة، يمكن أن تكون مدخلاً لإحياء قطاعات عدة إذا وُظّفت بالشكل الصحيح.
غير أن المراقبين لا يخفون أن القلق يبقى قائماً من أن يتحوّل هذا الاندفاع الظرفي إلى خيبة إضافية، في ظل غياب السياسات المستدامة ورفض السلطة مواجهة الحقائق. فزحمة السير ليست فقط مؤشراً على حركة بشرية، بل مرآة لعجز الدولة عن مواكبة حياة الناس، ولو في أبسط تفاصيلها اليومية، فكم بالحري في القضايا الكبرى التي تمسّ جوهر وجود وكينونة الدولة الفعلية!.