.jpg)
بينما كان الشيخ نعيم قاسم يضع “اللمسات الأخيرة” على خطابه التهديدي التصعيدي الأخير، بوجه الدولة واللبنانيين أولاً، إذ إن الهدف الفعلي بات اليوم في الداخل بعد العجز الواضح والصريح عن مواجهة إسرائيل إثر الهزيمة الكبرى في الحرب الأخيرة، وبعد نصائح النائب حسن فضل الله “المُحبّة الحنونة” للّبنانيين ليشكروا ربّهم بأن بيئة الثنائي الشيعي “مطوّلة بالها عليهم” ولم تنفجر!، في هذا الوقت، كانت إسرائيل تسرح وتمرح في عقر دار “الحزب”، في معقله الرئيسي في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، وصولاً حتى إلى قبر السيد حسن نصرالله تحديداً.
يواظب الشيخ نعيم وحزبه على الإنكار، وسيلة وحيدة ليُخفي “فضائحه” وواقعه المتهالك، آخرها فضيحة الاختراق الإسرائيلي “الصحافي”، إذ تمكن الصحافي الإسرائيلي يتسحاق هوروفيتس، الذي يعمل في مجلة “حريدية” متشددة، من دخول الضاحية الجنوبية لبيروت وتجوّل في شوارعها، وصولاً إلى الوقوف فوق قبر السيد حسن نصرالله والتقاط صورة له من فوق القبر “تخليداً” لهذا “الاختراق التاريخي”.
لكن الشيخ نعيم يغفل عمداً هذا الاختراق الإسرائيلي، همّه كان الاستعداد لخطاب مهاجمة الدولة واللبنانيين وتهديدهم، فليس من ساذج يظن أن “اركبوا أقصى خيلكم، ونحن لن نتراجع” موجّهة إلى إسرائيل، التي لم يستعمل الشيخ نعيم سلاحه الذي يرفض تسليمه للدولة ضد استهدافاتها المتواصلة منذ انتهاء الحرب الأخيرة وقضائها على نحو 400 قيادي وعنصر، ليطلق رصاصة واحدة عليها. بالتالي، السؤال البديهي هنا، ما هي وظيفة السلاح الذي يوافق الشيخ نعيم على نزعه جنوب الليطاني مطمئناً إسرائيل على أمن المستوطنات الشمالية، فيما يتمسك به شمال الليطاني مهدداً الدولة واللبنانيين؟.
الكاتب السياسي، مروان الأمين، يوضح أنه منذ انتهاء الحرب الأخيرة و”الحزب” يرفع عنوانين: الأول، أنه يرفض تسليم سلاحه ومستمر في خيار “المقاومة” الذي هو يحمي لبنان، وهذا خيار وهمي منفصم عن الواقع، إذ تبيَّن أن السلاح لم يحمِ “الحزب” وبالتالي بطبيعة الأمر لا يحمي لبنان، ولم يكن مرة بموضع حماية لبنان؛ ومن هنا، ما تبقى من سلاح هو للداخل اللبناني وللحفاظ على النفوذ الإيراني على الأراضي اللبنانية.
العنوان الثاني الذي يحمله “الحزب” منذ انتهاء حرب الـ66 يوماً، هو تحميل الدولة مسؤولية ردع إسرائيل ومنعها من القيام بأعمال عسكرية وحماية لبنان. بدايةً، لنوضح أمراً أساسياً في هذا السياق من أجل ألا يكون هناك أي لبس حوله؛ الأعمال العسكرية التي تقوم بها إسرائيل تستهدف “الحزب” ولا تستهدف اللبنانيين، وتستهدف السلاح والمنشآت العسكرية التي يملكها الإيراني على الأراضي اللبنانية ويديرها “الحزب” خدمة للإيراني.
يضيف الأمين عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “حتى جمهور “الحزب” بات يثق بالإسرائيلي، والحديث الدائر في داخل بيئة “الحزب” وفي أوساطه الشعبية أن إسرائيل تعلم تماماً أين تضرب وهي لا تضرب بشكل عشوائي؛ جمهور “الحزب” لديه ثقة بإسرائيل أكثر ممّا لديه بـ”الحزب”، لأن الأخير يستخدم الأماكن المدنية والمنازل وعاد لتخزين السلاح بين البيوت وبين الناس شمال الليطاني”.
في مسألة تحميل الدولة المسؤولية، يعتبر الأمين أن هذا الأمر أيضاً منفصم عن الواقع، لأن مسؤولية الدولة بحماية لبنان تبدأ في اليوم التالي لتسليم “الحزب” سلاحه بالكامل وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية على كامل الأراضي اللبنانية. قبل هذا التاريخ، الدولة غير مسؤولة، لأن لا مجال لوجود قرارين وسلاحين وعنوانين لاستخدام العنف في البلد، إما “الحزب” وإما الدولة؛ وبما أن “الحزب” متمسك بسلاحه، إذاً هو من يستجلب هذا الدمار وهذه الاستهدافات، وهو من يُضعف موقف الدولة التي لا يمكنها التحرك في ظل هذا الوضع.
لنكن واضحين أكثر في هذا الموضوع، يتابع الأمين: “سمعنا الشيخ نعيم قاسم بالأمس يُعيب على الدولة أنها لا تحمي لبنان، ويسأل كيف تمكن الموساد الإسرائيلي من خطف النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر؟، فيما الصحيح أن الشيخ نعيم هو تحت المساءلة، واللبنانيون يسألونه، هل “الحزب” الذي يدّعي القوة وأنه أقوى من الدولة، استطاع حماية ضريح السيد حسن نصرالله حيث وصل الإسرائيلي والتقط صوراً من فوق ضريحه؟، هل الدولة اللبنانية هي التي تمسك بأمن ضريح نصرالله أو “الحزب”؟. وبالتالي، حين يصل إسرائيلي ويلتقط صورة فوق قبر نصرالله، أين كان “الحزب” وأمن “الحزب” في هذه اللحظة؟”.
يكفي مزايدات ويكفي مكابرة، يقول الأمين، مؤكداً: “نحن نعلم جيداً أن “الحزب” حالياً، كل مواقفه وسلاحه أمر مرتبط بقرار من وليّ الفقيه، وحتى اليوم القرار والأمر هو بالمحافظة على السلاح وممنوع تسليمه؛ وهذا الخطاب الذي يقدمّه “الحزب” والمنفصم عن الواقع، حتى البيئة الشيعية المناصرة للحزب “لم تعد تقبضه” ولا تتعاطى معه من منظار مسؤول، وفي حال أتى القرار من وليّ الفقيه بتسليم السلاح سيُسلّم “الحزب” سلاحه”.
يضيف الأمين: “الجميع يعلم، والبيئة الشيعية بشكل خاص تعلم، وبيئة “الحزب” بشكل أخص تعلم، أن هذا السلاح لم يعد له أي دور في الحماية وردع إسرائيل، لا بل إن هذا السلاح هو من جلب الخراب والدمار والموت على هذه البيئة في المرة الأولى، وهو الذي يسببّ لها اليوم كل هذا التوتر والقلق، إذ هي في حالة ترقب وهواجس دائمة من قبيل، هل ستندلع الحرب قبل زيارة البابا لاوون الرابع عشر أو بعدها؟، قبل لقاء ترامب ـ نتنياهو أو بعده؟، قبل نهاية العام الحالي أو بعد مطلع العام 2026؟”.
الأمين يشدد، على أنه “لم يعد مقبولاً التعاطي مع هذه القضية بهذه الخفة ويجب وضع حدٍّ لذلك”، مؤكداً أن “على المسؤولين، الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، إذا كانا فعلاً يتحمّلان مسؤولياتهما بحكم موقعيهما تجاه الشعب اللبناني ومسؤولان عنه، عليهما التصرف مع قيادات “الحزب” التي تتخذ هذه المواقف، وعليهما إعلان مواقف واضحة تنفي كل هذه الأوهام والخزعبلات التي يروّجها “الحزب”. نحن في مكان، “الحزب” هو الآن مصدر الخطر على اللبنانيين عامة، وبالأخص على الجنوبيين وعلى الشيعة”.
