Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ متى ساعة الصفر؟ (د. ميشال الشماعي)

ساعة الصفر

السؤال لم يعد افتراضيًا، بل بات فرضية سياسية قابلة للتثبيت، حين يتقاطع مكان القرار مع توقيته، وحين تصدر الإشارات من جميع الأطراف المعنية في لحظة واحدة تقريبًا. فلقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في مار-أ-لاغو، خارج واشنطن، وبعيدًا من القنوات الدبلوماسية التقليدية، لم يكن حدثًا معزولًا، بل تزامن بدقة مع إطلالة سياسية محسوبة للشيخ نعيم قاسم، وكأن المشهد الإقليمي كان يُستكمل من أكثر من منصة في آن واحد. فهل اتُّخذ قرار الحرب على لبنان بشكل خاصّ، وفي  المنطقة عامّة، فيما نحن ننتظر إعلان ساعة الصفر؟.

مار-أ-لاغو، الذي تحوّل إلى “البيت الأبيض غير الرسمي” لترامب، ليس مجرد منتجع، بل غرفة قرار سياسية بديلة، تُدار فيها الملفات الثقيلة من دون قيود المؤسسات. من هناك، تُختبر التحالفات وتُعطى الإشارات الكبرى، وعندما يُستقبل نتنياهو في هذا المكان تحديدًا، فهذا يعني أن ما يُناقش يتجاوز المجاملات، ويدخل في صلب إعادة رسم المشهد الإقليمي، حيث يُدرج لبنان لا كدولة ذات سيادة، بل كساحة أمنية مرتبطة بإيران وبحسابات الحرب والتهدئة.

في هذا التوقيت بالذات، اختار الشيخ نعيم قاسم الإطلالة، لا ليخاطب الداخل اللبناني، بل ليوجّه ثلاث رسائل واضحة إلى الخارج، وتحديدًا إلى ترامب ونتنياهو. وجاء خطاب قاسم كإعلان صريح وواضح لعدم التخلي عن السلاح والاستعداد للحرب، وأشار إشارة واضحة أيضًا إلى الرفض القاطع لأي انتقال إلى العمل السياسي الصِرف على غرار تجارب سابقة. هذه الرسالة، بدل أن تُشكّل عنصر ردع، جاءت لتؤكد فرضية أن ملف السلاح لم يعد قابلاً للتدوير أو التأجيل، وأنه بات بندًا جاهزًا للحسم. وهذا ما حسمه أيضًّا الرئيس الأميركي بكلمته عن الحكومة اللبنانيّة التي لا تنفذّ بنود اتّفاق السلام ووضعها متراجع، وختم ترامب: ” سنرى ما سيحدث”.

فقاسم ربط أي نقاش أو تنازل بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الضربات وإطلاق الأسرى وبدء الإعمار. هذه الشروط بدت كأنها شروط تفاوضية مرتفعة السقف، لكنها عمليًا أسقطت أي هامش وسطي. فهي لم تترك مساحة لتسويات مرحلية أو خطوات متبادلة، بل وضعت الطرف الآخر أمام معادلة صفرية: إمّا تنفيذ كامل، أو لا شيء. وفي منطق الصفقات الذي يحكم تفكير ترامب، لا تُقرأ هذه الشروط كعرض تفاوضي، بل كتعطيل مسبق لأي مسار سياسي، لا سيّما أنّ قاسم هو الخاسر الأكبر ولا يستطيع فرض شروطه على ترامب ونتانياهو.

أما عن الاستعداد لمناقشة استراتيجية الأمن الوطني، فجاءت مشروطة بدورها، ومؤجلة إلى ما بعد تنفيذ إسرائيل كل ما هو مطلوب منها. وهنا تحديدًا، تتكامل الرسالة مع ما بُحِثَ في مار-أ-لاغو: أي أن السلاح حاضر الآن، والتفاوض مؤجل، والوقت هو وقت اختبار موازين القوى لا طاولات الحوار. وهذا يعني عمليًّا ساعة الحسم قد اتّخذت وبانتظار إعلان ساعة الصفر فقط.

غالبًا ما تحمل خطابات الحرب في طياتها رغبة ضمنية بالتفاوض، وهذا ما يمكن قراءته في كلام الشيخ نعيم قاسم، حين حرص على الإشارة إلى خروجه من جنوب الليطاني واستعداده لمناقشة السلاح لاحقًا. إلا أن المشكلة الجوهرية، كما تظهر في التوقيت والسياق، أن هذا الفريق بات مكشوفًا سياسيًا، ولم يعد خطابه يُحدث الأثر الذي كان يُراهن عليه. فالمجتمع الدولي لا يريد تكرار أخطاء الماضي: لا إعادة إنتاج ذريعة الحوار الداخلي لتعطيل القرار 1559، ولا الالتفاف الشكلي على القرار 1701 بانتظار انفجار جديد.

أمّا ما يريده الأميركي والإسرائيلي، فهو عدم ترك أيّ بذرة خارج إطار المؤسسات والدّولة اللبنانيّة قد تجد يومًا ما أرضًا خصبة عند تقاطع مصالح دوليّة ما، لتعود وتنمو من جديد وتجعل من لبنان دولة مارقة في  محيطها. هذه المسألة لم تعد مسموحة. ومن لا زال حتّى الساعة يقرأ الأحداث وكأنّنا قبل السابع من أكتوبر فمفروض عليه إجراء عمليّة تيويم Update بسيطة ليدرك أن العقل الأميركي قد اتّعظ من التجارب، ولا وقت لديه لتكرار أخطاء الماضي.

في الواقع، وبعلم الشيخ نعيم أو من دونه، جاءت هذه الرسائل لتسهّل المهمة على نتنياهو. فحين يُعلن الاستعداد للحرب ورفض التخلي عن السلاح عشية قمة تُناقش فيها خرائط ما بعد غزة وإيران، يصبح القرار أسهل. وما استغرق الأمر أكثر من لحظات حتى قال ترامب لنتنياهو، في غرفة مغلقة في مار-أ-لاغو: تصرّف بما تراه مناسبًا. عندها، صار لبنان على الطاولة، ولم يعد تحتها، كمساحة مسموح بها للتصعيد، وكورقة ضغط لا كشريك قرار.

وهكذا، تتكامل الصورة: قرار بُحِثَ خارج واشنطن، رسائل حرب أطلقت من بيروت، ودولة غائبة عن المشهد بحكومة عاجزة ورئاسة تحاول حتّى الساعة إمساك العصا من وسطها، ومجلس نيابي مفتاحه بيد سجّان مزاجيّ يفتحه عندما تقتضي مصلحته فقط بذلك.

فعمليًّا نحن بالحدّ الأدنى في هدنة مسلّحة لن تبقى على حدّها بل ستتصاعد حسب إيقاع تصاعد الضربات في المنطقة، من إيران إلى العراق واليمن فالدّاخل السوري، ولا سيّما أنّ إيران أضحت ككرسيّ هزّاز من الدّاخل، تحت وطأة العقوبات والاعتراضات الشعبيّة المتزايدة، فيما التقارير الاستخباريّة تؤكّد من أكثر من مصدر بأنّها تعيد بناء منظومتها النوويّة والبالستيّة. فالسباق فيها بات بين سقوط النّظام جماهيريًّا، أم ضربه ليسقط. ولبنان يُدار كملف أمني ملحق، لا ككيان سياسي، وتُناقش جبهته الجنوبية من دون حكومته أو جيشه أو حتّى أي مرجعية سيادية. وعندما تُبحث السيادة خارج العواصم الرسمية، فهذا يعني أنها خرجت عمليًا من دائرة النقاش.

من هنا، لا يعود السؤال: هل هناك حرب أم لا؟ بل يصبح أعمق وأكثر خطورة: هل انتهى عمليًا لبنان الكبير الذي قام على توازنات وصيغة وطنية جامعة، لنكون أمام ولادة لبنان جديد؟ لبنان أقل سيادة، أكثر هشاشة، يُدار بالحدود والرسائل النارية، وتُعاد صياغة دوره بقرارات تُتخذ في منتجعات بعيدة وخطابات محسوبة في عواصم منهكة. فهل نحن أمام إعادة رسم صامتة للكيان، أم أمام انتظار ثقيل، طويل، إلى أن يُعلن أحدهم… ساعة الصفر؟.​

Exit mobile version