
من يقرأ العملية العسكرية التي نفّذتها القوات الأميركية في فنزويلا، واعتقلت بموجبها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في إطار تصفية الحسابات بين واشنطن وكاراكاس فقط، يكون فهمه للاستراتيجيات السياسية العالمية عموماً، والأميركية خصوصاً، محدوداً جداً. فلا شكّ في أنّ العالم بدأ يتغيّر منذ انتخاب دونالد ترامب مجدّداً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، ولا بدّ من إنصاف الرجل “القويّ” الذي لا يكتفي بالكلام، بل ينفّذ ما يقوله ويتوعّد به. فهو لا يطلق مواقف عابرة تُقال بين ليلة وضحاها، إنما يعكس استراتيجية متحرّكة وديناميكية تهدف إلى إنهاء أنظمة ورؤساء وتنظيمات يعيقون تحقيق السلام في العالم.
قد يبدو هذا الهدف مثالياً، ولا يؤمن به أعداء الولايات المتحدة الأميركية، فيتّهمونها بالسعي إلى السيطرة على العالم والتحكّم به، والاستفادة من خيرات وثروات الدول التي يحكمونها. ويأتي في مقدّمة أعداء واشنطن بعض الدول في أميركا الجنوبية، وكوريا الشمالية، وإيران، إضافة إلى تنظيمات عسكرية مثل “طالبان” التي تحكم اليوم أفغانستان، وتنظيمات إسلامية متطرّفة في نيجيريا، و”داعش” في سوريا، وصولاً إلى “حماس” و”الحزب” والحوثيين والحشد الشعبي العراقي، وتنظيمات أخرى تدور في فلك النظام الإيراني.
قد لا تكون نزعة السيطرة وقيادة العالم بعيدة عن مركز القرار في واشنطن، وربما هذا ما أدّى إلى اصطفاف دولتين عظميين كالصين وروسيا ضد الولايات المتحدة، وإن بدرجات أقل من الدول والتنظيمات المذكورة أعلاه. فهاتان الدولتان الآسيويتان الكبريان تتأقلمان مع الولايات المتحدة انطلاقاً من البراغماتية السياسية، من دون الغرق في تعقيدات عقائدية قد تؤدي، إن أُفسح لها المجال، إلى حرب عالمية لا تُحمد عقباها.
في الواقع، تتعايش أعداد كبيرة من الدول الأوروبية والآسيوية والعربية والأفريقية، إضافة إلى دول أميركا الجنوبية وأستراليا، مع الولايات المتحدة الأميركية، ويعتبرها البعض زعيمة العالم الحرّ بامتياز. علماً أنّ هذه الدول ليست تابعة لواشنطن، بل دول صديقة لها، ولا يؤدّي تحالفها معها إلى انتقاص من سيادتها أو استقلالها. ففرنسا، مثلاً، صديقة للولايات المتحدة، لكنها تملك نظامها الخاص وقرارها الاستراتيجي الحرّ.
هنا لا بدّ من توضيح معنى “العالم الحرّ”، منعاً للدعاية المغرضة التي يروّج لها محور الممانعة ضد الولايات المتحدة التي تقود هذا العالم اقتصادياً وعسكرياً. فالدول التي تدور في فلك الولايات المتحدة تنعم بالأمن، والرخاء الاقتصادي، والعيش الكريم، والحريات، والريادة التكنولوجية، والديمقراطية، والأسواق الحرّة. ومن أبرز ملامح العالم بقيادة أميركية:
1- القوة العسكرية: تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، وتعمل على نشر نفوذها عسكرياً عبر التحالفات (مثل الناتو) والقواعد العسكرية المنتشرة حول العالم.
2- القوة الاقتصادية: يُعدّ الدولار الأميركي العملة الاحتياطية العالمية، وتؤدي الولايات المتحدة دوراً محورياً في التجارة الدولية والأسواق المالية، إضافة إلى اعتمادها على القوة الناعمة (الثقافة والإعلام).
3- الريادة التكنولوجية: ريادة عالمية في الابتكار في مجالات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، ما يعزّز قوتها الاقتصادية والعسكرية
4- المؤسسات الدولية: دور قيادي في تأسيس الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، بما يساهم في تشكيل النظام العالمي.
5- القيم والديمقراطية: الترويج للديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأسواق الحرّة كنموذج للحكم والتنمية، على الرغم من التحديات الداخلية والخارجية المرتبطة بتطبيقها.
وباختصار، يُمثّل العالم بقيادة الولايات المتحدة نظاماً عالمياً يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار والأمن، وتعزيز النمو الاقتصادي، ونشر القيم الديمقراطية.
في المقابل، تطرح دول الممانعة التي تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها مشروعاً للتحرّر من “هيمنة واشنطن”، إلا أنّ معظم هذه الدول، ولا سيما الجمهورية الإسلامية الإيرانية المعروفة بعدائها للولايات المتحدة عموماً وللغرب خصوصاً، لم تقدّم لشعوبها سوى الحروب، والفقر، والموت.
ترتكز الممانعة على مبادئ الثورة الإيرانية ذات المشروع المذهبي (التشيّع)، ومنذ نجاح هذه الثورة في إيران لم ينعم شعبها بيوم راحة واحد. بل عمد النظام الإيراني إلى تصدير ثورته إلى دول مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان، مستخدماً الأكاذيب والشعارات الداعمة لفلسطين والمناهِضة لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، فيما هو في الحقيقة نظام مستبدّ تاجر بقضية الصراع مع “إسرائيل” لتمرير أهدافه الخاصة، ووضع ثروات الشعب الإيراني في خدمة تنظيمات عسكرية كـ”الحزب” و”حماس” و”الحوثيين” و”الحشد الشعبي” العراقي.
لم يربح هذا المحور أي حرب ضد إسرائيل، التي نجحت في الآونة الأخيرة في تدمير معظم الميليشيات التابعة لإيران في المنطقة، وهي ميليشيات لم تفعل شيئاً سوى مصادرة قرار السلطات الشرعية في دولها الأم، وممارسة الاغتيالات والقتل بحقّ الشعوب الرافضة للمشروع الإيراني. يضاف إلى ذلك معاناة شعوب لبنان وسوريا والعراق واليمن من ويلات الجوع والفقر، إلى درجات لا يمكن تجاهلها، وكلّ ذلك نتيجة المشروع الإيراني الكاذب الذي يرفع شعارات معادية للولايات المتحدة، فيما هو يتوسّلها ويحاول استرضاءها للبقاء.
نعم، إنّ لبنان، “بلد الأرز” والإشعاع والنور تاريخياً وحضارياً، يقف اليوم أمام مفترق طرق، بعدما عانى ويلات سلاح “الحزب”. فإمّا أن يسلّم “الحزب” سلاحه للدولة، فيلتحق لبنان بالعالم الحرّ حيث تُصان قيم المواطنة ودولة القانون، وتُنفّذ برامج التنمية الوطنية، ويُرفع مستوى المعيشة وكرامة الإنسان، ويُحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وإمّا انتظار قوة عسكرية دولية كبرى تحرّر هذا البلد الصغير من “مقاومة” مذهبية لا تؤمن بالتعددية ولا بالحرية ولا بكرامة الإنسان، وتمارس قمع الأفواه، وتأبيد السلطات، وتحويل البشر إلى مجرّد أرقام في خدمة الاستبداد أو الهوس الطائفي.
في الحالتين، سيتحرّر لبنان ويلتحق بالعالم الحرّ، لكن على “الحزب” أن يختار بين طريقين: إمّا تسليم السلاح سريعاً والاحتكام إلى اللعبة السياسية كغيره من الأحزاب، وإمّا مواجهة القوة العسكرية الأميركية التي أطاحت بحاكم فنزويلا خلال نصف ساعة، وتحمل النتائج المدمّرة لهذه المواجهة، والتي ستنعكس حتماً على بيئته لعشرات السنين.
إنّ الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، أكثر جدّية من أي وقت مضى في إنهاء الحالات الشاذة غير المنتمية إلى القرن الحادي والعشرين، والتي تمنع بعض الشعوب العربية من التقدّم، وفي مقدّمها الشعب اللبناني الذي لا يمكنه العيش من دون حرية وكرامة.
إنها سنة نهاية الأوهام والشعارات الكاذبة التي اقتات منها النظام الإيراني طويلاً، واللبيب من الإشارات يفهم. فترامب لا يكتفي بالتهديد، بل يتوعّد أذرع إيران بالسحق الواحدة تلو الأخرى. والعالم الحرّ الجديد سيمتدّ من الأميركيتين إلى بلد الأرز، ومن يواجه هذا المشروع العالمي سيُرسَل، وبسرعة، إلى مزبلة التاريخ.
