.jpg)
عزيزي القارئ، قد لا يعجبك ما ستقرأه الآن، لكن لَعَمري هذا ما رأيته منذ أحداث 11 أيلول 2001 وكتبت عنه مرارًا وتكرارًا، وما زال العالم منذ تاريخه يعمل جاهدًا على تأجيل هذا الانفجار الكبير. لقد أدرك الغرب أنّ الصراع المقبل هو الصراع الحضاري الذي تحدّث عنه صموئيل هنتنغتون في كتابه صموئيل هنتغتون:
The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order
الذي صدر العام 1996 “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”، وهو كتاب محوري في الفكر السياسي بعد الحرب الباردة، حيث طرح فيه هنتنغتون أطروحته الشهيرة بأن الصراعات المقبلة ستكون حضارية– ثقافية لا أيديولوجية أو اقتصادية، مع تركيز خاص على العلاقة بين الغرب والعالمين الإسلامي والكونفوشيوسي. وسبقه إلى هذا الفكر بنيامين نتنياهو في كتابه الصادر العام 1993 والذي يحمل عنوان:
A Place Among the Nations: Israel and the World
“مكانٌ بين الأمم: إسرائيل والعالم”، وهو من أبرز كتبه الفكرية– السياسية، عرض فيه رؤيته للأمن الإسرائيلي، والصراع مع العرب، ودور إسرائيل في النظام الدولي بعد الحرب الباردة. باختصار، يبرّر فيه نظريّة “الحقّ في الوجود”. وكان ذلك كلّه ترجمة مسبَقَةً لما نعيشه اليوم.
ونتيجة لهذا الوعي الإدراكي، قرّر الغرب مواجهة الفكر الراديكالي المتمثّل بالفكر الأصولي الإسلاموي مواجهة مباشرة. وقد تركت أحداث 11 أيلول تداعياتها على السياسة الدّوليّة التي ما إن هدّأها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بالاتّفاق النووي مع إيران في العام 2015 حتّى عادت واستعرَت بشكل أشرس بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023. وهذا ما دفع بالعالم بأسره نحو الحسم في هذا الموضوع. وسياسة الحسم هذه المرّة، أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما أطلق مبدأه “السلام بالقوّة”. وسرعان ما تجاوب معه نتنياهو مطلقًا هو الأخير مبدأه أيضًا “السلام مقابل السلام”؛ مسقطًا بذلك مبادئ أوسلو (1993/1995) وبيروت 2002 التي قامت على السلام مقابل الأرض وحلّ الدّولتين.
والمسار مستمر بعد احتفالات نتنياهو وترامب في “مار أ لاغو”، وما رشح عن هذا اللقاء من تهديدات بالمباشر. وواكب هذا اللقاء تحرّكات جماهيرية ضخمة في الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران، وما ميّز هذه التحرّكات هو ما صدر عن الشعب الايراني الذي أعلنها للمرّة الأولى أنّه لن يترك الشارع حتّى إسقاط النّظام. وبالتّزامن مع التحرّكات الشعبيّة الايرانيّة، صرّح الرئيس ترامب بأنّ أيّ إطلاق نار على المتظاهرين ستتدخّل أميركا بالمباشر. هذا يعني عمليًّا أنّنا في الأمتار الأخيرة من التغيير المرتقب في المنطقة.
نحن نعيش في هدنة مسلّحة، لم ترتقِ بعد لتصبح حربًا كونيّة ثالثة، إنّما “مايسترو” هذه الهدنة الحربيّة لا زال حتّى الساعة متحكّمًا بإيقاعها. من القارة العجوز مرورًا بالشرق الأوسط وحتّى الشرق الأدنى وما بينهما القرن الإفريقي. ففي كلّ لحظة هذه الأمور مرجّحة لانفجار كبير نعرف كيف سيبدأ لكن لا نعرف كيف قد ينتهي. إنّما المؤكّد أنّ مسار نهايته واضح باتّجاه عالم أكثر ليبراليّة يقوم على المنافسة الاقتصاديّة الشرسة.
ما بات واضحًا أكثر أنّ “خَورطَةِ” العالم الجديد ستكون من بوّابة الشرق الأوسط. فالمسار الذي تسير به منطقتنا هو الذي سيحدد خيارات العالم الاقتصاديّة للمئة سنة المقبلة على الأقلّ. أمّا إذا قاربنا المسألة من بوّابة مصادر الطاقة العالميّة، فنستطيع القول حتّى أن يجد العلم الحديث مصدرًا نظيفًا بديلًا للطاقة عن الغاز الطبيعي الموعود في شرق المتوسّط، بعد النّفط الموجود في الخليج العربي، وذلك المخزّن في أميركا الجنوبيّة، وفي فنزويلا تحديدًا التي تملك أكبر احتياطي نفطي، سنبقى في حالة اضطرابات لتثبيت الاستقرار بشكل نهائي في الشرق الأوسط.
فالصراع الحقيقي أصبح اليوم بين المعسكرين التقليديين الليبرالي والراديكالي. المعسكر الليبرالي يتمثّل بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروربي، زد عليه دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربيّة التي دخلت في هذا المعسكر من بوّابة حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. وذلك انطلاقًا من كون الحرّيّة هي جوهر الوجود الانساني. أمّا المعسكر الراديكالي فينقسم إلى جزأين: الراديكاليّة الأصوليّة المتمثّلة بالاسلام السياسي، والراديكاليّة الإلحاديّة المتمثّلة بالرواسب اليسارويّة والشيوعيّة التي ما زالت تحاول استنباط أساليب إحياء بعيدة من مبدأ الحياة الطبيعي.
هذه هي الحرب الحقيقيّة التي نعيشها اليوم. والأكثر إلحاحًا اليوم يكمن في القضاء على الراديكاليّة الأصوليّة، وهذا ما نشهده وما سيستمرّ بالتنامي حتى الانتهاء بشكل كلّي من هذه الظاهرة. وأعتقد أنّ هذه المسألة لن تتخطّى العقد من الزّمن لأنّ المسار الاستثماري النّهضوي الطاقويّ هو الذي يحكم السرعة في هذه الحرب.
أمّا المسار الثاني، فلا زال حتّى الساعة يواجِه بالتعتيم الفكري على شعوبه، وببثّ فلسفة مجتمعيّة تقوم على التشاركيّة في ظاهرها الاشتراكي، لكنّها في الحقيقة ديكتاتوريّة مقنّعة لليسار المتهالك. وهذا ما يفسّر تنامي اليمين الأوروبي لأنّ النّاس متعطّشة إلى عودة حقيقيّة إلى إعادة ترتيب سلّم القيم الذي تدمّر بفلسفة الإلحاد والتشيّؤ إلى حدّ بعيد كلّ البعد من التأنسن، كي لا نقول وصولًا إلى حيوانيّة الانسان تحت ذريعة الحرّيّة المطلقة.
في المحصلة، لا يمكن للعالم أن يستمرّ في انحطاطه الفكري والثقافي والأخلاقي. نحن مقبلون على ثورة قِيميَّةٍ بدأت معالمها تتّضح بعودة واضحة إلى إعادة ترتيب لسلّم القيم الانسانيّة ومن البوّابة السياسيّة. وبالطبع هذا المسار بحاجة إلى وقت طويل، لكنّ القطار قد انطلق، لذلك، سنبقى بحالة هدنة مسلّحة لمحاربة شياطين التفاصيل، وحرب صامتة تعلو وتخفت حسبما تستعر نار هؤلاء حتّى في نهاية المطاف يصحّ الصحيح. وسيصحّ حتمًا طالما في عنّايا ختياراً راكعاً يصلّي على تلّة ليبقى لبنان والانسان والحرّيّة.