#dfp #adsense

اعتداء سياسي جديد على وزير الخارجية.. يللي اختشوا ماتوا

حجم الخط

ليس مستغربًا أن يتطاول نائب من “الحزب” على وزير خارجية لبنان، فالمفاجأة الوحيدة في هذا المشهد هي أن هناك من لا يزال يتظاهر بالدهشة. حين يخرج حسن فضل الله متحدثًا عن السيادة، تصبح السخرية واجبًا وطنيًا لا ترفًا لغويًا. وحين يوزّع ممثل حزب بلا ترخيص، مسلّح خارج الدولة، مرتبط بدولة أجنبية ديكتاتورية، دروسًا في الوطنية، ندرك أن الحياء لم يعد قيمة سياسية، بل ذكرى منقرضة. نعم، اللي اختشوا ماتوا.

أي مفارقة هذه التي تجعل من يحمل السلاح غير الشرعي حارسًا للأخلاق العامة؟ وأي وقاحة تسمح لمن صادر القرار الوطني لعقود أن يحاكم وزيرًا لأنه تجرأ على التصرّف كمسؤول في دولة؟ في لبنان الذي دمّره الانقلاب على الدولة، صار المتهم قاضيًا، وصار من هدم المؤسسات ناطقًا باسمها، وصار من جرّ البلاد إلى العزلة مرجعًا في “المصلحة الوطنية”.

“الحزب”، الذي يتحدّث نوابه اليوم بلهجة الوصاية، هو ذاته الحزب الذي يحتفظ بسلاحه خارج الشرعية، ويقرّر الحرب والسلم بمعزل عن الدولة، ويزجّ لبنان في صراعات لا قرار له فيها ولا مصلحة. هو حزب التبعية الصريحة لمشروع إقليمي، لا يرى في لبنان وطنًا نهائيًا بل ساحة استخدام. ومع ذلك، يخرج نوابه لاتهام الآخرين بالانحراف، وكأن الذاكرة الوطنية مصابة بفقدان كامل للوعي.

أما عن الحرب، فالكذب فيها لم يعد يُقنع أحدًا. ما تحاولون تسميته “حربًا أهلية” لم يكن كذلك. الحرب الأهلية الحقيقية كانت حين اقتتلتم مع الفلسطينيين في المخيمات، وحين قتلتم أبناء بيئتكم في صراعكم الدموي مع حركة “أمل”، ودفعتم أكثر من ألفين وخمسمئة قتيل من جمهوركم. تلك هي الحرب الأهلية التي تحاولون طمسها، لأنها لا تخدم الأسطورة.

أما ما عدا ذلك، فنذكركم بالحروب على لبنان وشعبه. حرب النظام السوري، وحرب نظام الملالي في إيران، وحرب المنظمات المسلحة، وحرب منظومة الوصاية التي صادرَت الدولة ومؤسساتها. في وجه هذه الحروب وقف لبنانيون دافعوا عن وطنهم، لا عن مشاريع الآخرين، وعن دولة، لا عن دويلات.

وعندما نصل إلى الجيش اللبناني، تسقط كل الأقنعة. من قتل الطيّار سامر حنّا؟ من استولى على ثكنة الشيخ عبد الله؟ من اغتال الملازم أول جورج شمعون؟ من قتل العقيد سليمان مظلوم، والعقيد ميشال زيادة؟ ومن اغتال النائب قاسم درويش؟ هذه ليست أسئلة استفزازية، بل وقائع يعرفها اللبنانيون جيدًا. أنتم من حاول كسر الجيش أو إخضاعه، لا نحن. نحن وقفنا إلى جانب الجيش وحميناه.

ثم تأتي الوقاحة الأوضح: التطاول على وزير الخارجية من زاوية “المدرسة” التي تخرّج منها. مدرسة يوسف رجّي ليست مدرسة ميليشيا ولا أيديولوجيا موت. هي مدرسة لبنانية وطنية، آمنت بالإنسان وبالدولة وبالحرية. لم ترسل أبناءها ليقتلوا شعبًا آخر، ولم تبرّر المجازر، ولم تسمِّ القتلة “أشرف الناس”. مدرسة واجهت الخطر عندما كان الخطر على الأبواب، لا مدرسة تبرّر الاقضاض على الدولة باسم شعارات فارغة.

منذ متى أصبح “الحزب” مرجعًا في السيادة، أو في احترام المؤسسات، أو في حماية المصلحة الوطنية؟ حزب يحمي الفاسدين، يعطّل القضاء، يدمّر المؤسسات، ويخرّب العاصمة، ثم يطالب الآخرين بالصمت؟ حزب يتاجر بالممنوعات، ويغرق البلاد في العزلة، ثم يزايد على الشرف والكرامة؟

المفارقة الفاقعة أن من يتهم غيره اليوم هو نفسه المتهم الأول. من يتحدث عن كرامة لبنان هو من ساهم في إهانتها. من يزايد على الوطنية هو من جعل لبنان رهينة. ومن يهاجم وزير الخارجية هو من صادر الخارجية، ومعها القرار السيادي، منذ سنوات.

يوسف رجّي لم يفعل سوى ما يُفترض أن يفعله أي وزير خارجية في دولة طبيعية: أن يتحدّث باسم لبنان، لا باسم حزب، ولا باسم محور، ولا بلغة التهديد والابتزاز. وهذا بالضبط ما يزعج “الحزب”: أن يكون في الدولة من لا يخضع، ومن لا يساير، ومن لا يبرّر.

الهجوم على رجّي ليس شخصيًا، بل هو هجوم على فكرة الدولة نفسها. رسالة واضحة لكل من يفكّر بإعادة لبنان إلى محيطه الطبيعي، أو فكّ ارتباطه بمحاور الموت: إمّا الصمت، أو التخوين.

لكن الحقيقة أقسى عليكم: هذا الخطاب لم يعد يخيف أحدًا. اللبنانيون يعرفون من دمّر، ومن عطّل، ومن كذب، ومن حمى الفساد، ومن خنق الدولة، ومن صادر القرار. ويعرفون أن من يتكلم اليوم بلهجة الوصاية هو آخر من يحق له إعطاء دروس في الأخلاق أو الوطنية.

اللي اختشوا ماتوا…
أما الذين لم يموتوا، فهم الذين ما زالوا يطالبون بدولة، بسيادة، وبمسؤولين لا ينحنون. ويوسف رجّي، شئتم أم أبيتم، تصرّف كوزير في دولة، لا كناطق باسم ميليشيا.

والغضب اليوم ليس على تصريح عابر، بل على عقلية كاملة ترفض الاعتراف بأنها السبب، وتصرّ على لعب دور الضحية وهي تمسك بالخنجر…

خبر عاجل