ما أقدم عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في فنزويلا أثار انقساماً عالمياً حادّاً واصطفافاً دولياً يختلف عن كل الصراعات السابقة بين يسار ويمين، وجنوب وشمال، وشرق وغرب، وتعدّاها إلى ثنائية صراع جديدة بين جبهتين: دول تعتمد أنظمة ديمقراطية حديثة على أساس تداول السلطة، ودول تحكمها أنظمة توتاليتارية فردية تجنح إلى دعم الآفتَين العالميّتَين، الإرهاب والمخدّرات.
في المبدأ، صحيح أن اعتماد القوة العسكرية كما فعلت واشنطن وتفعل، وكما يفعل سواها أيضاً (روسيا في أوكرانيا نموذجاً)، يشكّل خرقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، غير أن هناك سببَن يبرّران التدخّل: دواعٍ إنسانية وانحرافات خطيرة عن الانتظام الدولي السليم.
لا يمكن إنكار لعبة الأطماع والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية و”المجالات الحيوية” وعوامل الهيمنة والتسلّط، والتي تحرّك التدخلّات العسكرية، لكنّ السؤال المركزي الأهم هو:
من يردع حاكماً أو نظاماً عن التمادي في قهر شعوبهما واستغلال السلطة لتكديس الثروات الشخصية بالممنوعات والموبقات كالمخدّرات وتبييض الأموال والتهريب المنهجي ودعم الإرهاب، والتي تمارسها دول وأنظمة تحت شعارات السيادة والاستقلال والحقوق الوطنية؟
الجواب البديهي أن المرجعية الصالحة لمكافحة هذه الانحرافات هي منظمة الأمم المتحدة عملاً بميثاق تأسيسها بما فيه الفصل السابع. لكنّ حال هذه المنظمة معروف، سواء بسبب خضوعها لفيتوات مجلس الأمن الدولي أو بسبب عجزها المتمادي والمتوارَث منذ ٨٠ عاماً.
هذا العجز يفتح الباب أمام قوى عالمية للتدخّل بدوافع مركّبة ومختلَطة، بين مصالح وأطماع وبين مهمّات إنسانية لتقويم الاعوجاج.
والواضح أن القوة العالمية العظمى القادرة والمخوّلة للقيام بهذه المهمّة هي الولايات المتحدة الأميركية، بغض النظر عن المآخذ على شخصية رئيسها وسلوكيّاته، وعلى مناقشة أحقيّة التدخّل في شؤون الغير.
فلنتخيّل عالماً تتحكّم به أنظمة من طراز كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا (سابقاً) وأشباهها وأذرعها في منطقتنا، ولنضرب أخماسنا بأسداسنا ونسأل: مَن يحاسبها، ومَن يضع حدّاً لها، ومن يُنقذ شعوبها من بطشها؟
ولنا في لبنان تجربة مرّة، لا نزال نعاني منها، فمن يُنقذ وطن الأرز من آفة السلاح غير الشرعي الذي يرعى ويُدير كل ما هو خطير وقاتل، وقد ذاق اللبنايون مراراته موتاً وهدماً وتشريداً ومآسي؟
فهل نرفض يداً أميركية أو أوروبية أو عربية أو سواها، تمتدّ لتساعدنا، بحجّة رفض التدخّل الخارجي وخرق السيادة؟
السيادة ليست طوطماّ نتعبّد له، بل قيمة هدفها الأبعد حماية الانسان وحقوقه في مجتمع مستقر ودولة مستقلّة، ونكون بسطاء، بل أغبياء، إذا تشاطرنا وراوغنا وماطلنا في مصافحة اليد الممدودة لإنقاذنا.
وعلينا أن نحسم خيارنا بين الانتماء إلى النموذج العالمي في مجتمعاته الحديثة العادلة المستقرة، وبين الالتحاق بأنظمة متخلّفة يربطها محور قائم على ثنائية الإرهاب والمخدّرات.
كما علينا التوقف عن إدانة القوة التي تضع السياق الدولي في نصابه الصحيح، وعن التفجّع على القوانين والمواثيق التي لم تخرج في أيّ يوم من حبرها اليابس!
.jpg)