.jpg)
قبل أن يطوي العام الماضي آخر صفحاته، بأيام، أقرَّت الحكومة مشروع “الانتظام المالي واسترداد الودائع” في جلستها التي عُقدت برئاسة الرئيس نواف سلام في 26 كانون الأول الماضي، والمصطلح على تسميته “قانون الفجوة المالية”، وسط معارضة حكومية واسعة، وذلك تمهيداً لإرساله إلى مجلس النواب وتقرير مصيره النهائي، إقراراً أو تعديلاً أو ردّاً ورفضاً من الأساس. فمع إقرار مجلس الوزراء مشروع قانون الفجوة المالية بأغلبية 13 وزيراً مقابل معارضة تسعة وزراء، بعد نحو 6 سنوات على اندلاع الأزمة، أصبحنا أمام واقع جديد، باعتبار أنها خطوة تمهّد لإحالته إلى مجلس النواب، وسط انقسام نيابي وسياسي ومالي واسع حول آلية توزيع الخسائر الناتجة عن الأزمة المالية التي يعاني منها لبنان منذ العام 2019، كما وردت في مشروع الحكومة.
وبعيداً عن المواقف السياسية المختلفة من مشروع قانون الفجوة المالية الذي أقرّته الحكومة، أكان وزارياً أو نيابياً أو مالياً أوعلى مستوى المودعين، ثمة نقطة أساسية جوهرية مطروحة، بالدرجة الأولى، لناحية ملاءمة مشروع قانون الفجوة المالية للدستور والقوانين المرعية الإجراء.
من الزاوية الدستورية والقانونية البحتة، يؤكد الخبير الدستوري والقانوني، سعيد مالك، أنه من الثابت والأكيد أن قانون الفجوة المالية، وكـ”توصيف قانوني”، يُعتبر أنه قانون يؤسِّس لإعادة توزيع خسائر مالية سيادية، يمسّ بالمالية العامة والنظام المصرفي والحقوق المكتسبة، ويشكل الإطار الناظم لإعادة هيكلة الاقتصاد المالي للدولة. ما يعني أن هذا القانون “بنيوي هيكلي تأسيسي، كان يُفترض أن يُقر في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين”، لا سيما وأنه يُعتبر من “قبيل الخطط الإنمائية الشاملة الطويلة الأجل والتي هي بحاجة إلى أكثرية موصوفة من أجل الإقرار والتصديق، سنداً لأحكام الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور”.
لذلك، واستناداً إلى ما تقدَّم، يضيف مالك، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “مشروع قانون الفجوة المالية الحكومي، بالشكل أولاً، اقترف الخطأ في توصيف القانون، إضافة إلى مخالفة أصول الإحالة من مجلس الوزراء، وشكَّل التفافاً على أكثرية موصوفة فرضها الدستور”.
وبالتالي، يشدد مالك على أن مشروع قانون الفجوة المالية الحكومي “معيوب على صعيد الشكل، إضافة إلى ما يتضمَّنه من مخالفات دستورية جوهرية على صعيد المضمون، منها: المس بحق الملكية، مخالفة مبدأ عدم رجعية القوانين، مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات، مخالفة مبدأ المساواة بين المودعين، ومخالفة مبدأ الأمان القانوني والثقة المشروعة”، مؤكداً أن “هذه كلها مخالفات يمكن أن تكون موضوع طعن أمام المجلس الدستوري”.
أما عن الخيارات الممكنة اليوم، فيشير مالك إلى أنها تتلخص بما يلي: إما أن تسترد الحكومة هذا المشروع، أي أن تلتئم وتتخذ قراراً جديداً باسترداد مشروع قانون الفجوة المالية، وذلك عملاً بأحكام المادة 103 من النظام الداخلي لمجلس النواب؛ وإما لمجلس النواب الحق بأن يرد مشروع القانون إلى الحكومة، عملاً بأحكام المادة 77 من النظام الداخلي للمجلس النيابي. لأنه، وبحال صار إلى مناقشة هذا المشروع القانون وإقراره في مجلس النواب، سيكون حُكماً عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري.
يضيف مالك: “لا يمكن القول، على الإطلاق، إنه بمجرد أن يصار إلى إقرار مشروع قانون الفجوة المالية الحكومي في مجلس النواب، فذلك يغطي العيوب التي اعترت عملية إقراره وإحالته من الحكومة. هذا أمر غير صحيح على الإطلاق على الصعيد القانوني، لأنه، دستورياً، مجلس النواب لا يمكنه أن يُشفي العيب التنفيذي السابق. فالمجلس الدستوري يبحث في أصول التشريع، ويبحث كيف أحيل مشروع القانون إلى مجلس النواب”.
مالك يؤكد، أن المجلس الدستوري له صلاحية شاملة وكاملة من أجل البحث في أصول التشريع، وكيف وصل مشروع قانون الفجوة المالية الحكومي إلى مجلس النواب بأكثرية معتورة أو بأكثرية معيوبة. بالتالي، كان يُفترض من الأساس أن يُقر مشروع القانون هذا بأكثرية الثلثين، وما حدث يُعتبر “هرطقة دستورية” يُفترض معالجتها؛ إما باسترداد مشروع القانون أو بردِّه إلى الحكومة، وإلا سيكون حُكماً عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري.
