.jpg)
تقع تحت ناظري مقابلات كثيرة لمن يتوهمون أنهم مفكرون، يكون محتوى اللقاء عن سمير جعجع رئيس حزب “القوات اللبنانية”. يتسغلون الوقت الأطول من المقابلة؛ في فكرة أن سمير جعجع لن يصبح رئيس جمهورية، وقد فاته القطار.
يستوقفني كثيرًا هذا الطرح السطحي…
المشكلة أن تحليلاتهم مبنية على الضغينة والكراهية، لا على موضوعية في قراءة قدرات الرجل لإدارة البلاد. نعم قد لا تكون لدى سمير جعجع فرصة لبلوغ الرئاسة في هذه المرحلة، لكن فات هؤلاء أن غاندي كان الأب الروحي للهند المحرّرة من الاستعمار الإنكليزي. كما حرر مارتن لوثر الابن، السود من النظام العنصري بثورته السلمية. ومثله فعلت الأم تيريزا بالكثيرين ممن حاصرهم البؤس والفقر والتهميش.
كل هؤلاء، لم يحكموا. لم يلبسوا تيجانًا. لم يجلسوا على كرسي حكم، ولم يخبطوا بصولجاناتهم الأرض لتخويف من في القاعة. إنما أصروا على بناء الإنسان في الإنسان، وإطلاقه في طريق الوعي والمسؤولية.
كثيرون أضيفت أسماؤهم إلى لوحات الرؤساء في القصور الرئاسية لدولهم؛ لكن من سيتذكرهم؟
كان يمكن أن يموت نيلسون مانديلا في السجن، لكنه لم يتخل عن قضيته… ولم يصبح رئيس جمهورية إلّا بعد أن حرر شعبه. فهل يستطيع القراء أن يذكروا لي من هو رئيس جنوب أفريقيا الحالي؟
كذلك كان من الممكن أن يقضي سمير جعجع في السجن، ويموت. لكنه سيظل يُذكر بأنّه عاش بإرادته، وما تراجع عن وطنه.
ماذا سيكتب التاريخ عن رئيس أرهق بلاده بالانهيارات المالية والإدارية، وأسقط البنوك والناس والمؤسسات في الكوارث؟
قد لا يدخل جعجع القصر الرئاسي، لكنه سيظل أكثر الذين يشهد التاريخ لنضالهم لأجل أهله والوطن. وسيتحدث الناس طويلاً عن نزيه طبع بنزاهته مرحلة طويلة، كانت البلاد فيها تعج بالفاسدين.
وقد يجلس على كرسي بعبدا من هو أقل شأننا بكثير من سمير جعجع. لكنه لن يكون إلى جانبه في صفحات التاريخ والتقييم الإنساني.
سيظل ذكره يتوهج في أذهان الناس كضوء ثابت في ظلام الوطن، كلما تذكروا وضوح مواقفه وثبات مبادئه. فالتاريخ لا يعلي شأن من جلسوا على الكراسي، بل من أقاموا القيم والمبادئ في الناس.