.jpg)
بدأت في السنوات الأخيرة مدن عديدة حول العالم باستخدام ما يُعرف بـ«المقاعد الذكية» في الشوارع، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في طريقة تعامل المدن مع الفضاء العام. هذه المقاعد لم تعد مجرد عنصر حضري للراحة، بل أصبحت أدوات تقنية قادرة على قياس التلوث والضجيج وجمع بيانات بيئية دقيقة تُستخدم في التخطيط الحضري واتخاذ القرار.
تعتمد المقاعد الذكية على مجموعة من الحساسات المدمجة التي تقيس جودة الهواء، مثل نسبة الجسيمات الدقيقة والغازات الملوِّثة، إضافة إلى رصد مستويات الضوضاء في الشوارع والساحات العامة. بعض هذه المقاعد يعمل بالطاقة الشمسية، ما يجعلها جزءًا من منظومة مستدامة لا تستهلك طاقة إضافية، وفي الوقت نفسه قادرة على العمل بشكل متواصل وجمع بيانات على مدار اليوم.
أهمية هذه التقنية لا تكمن فقط في جمع المعلومات، بل في طبيعة البيانات نفسها. فبدل الاعتماد على محطات قياس مركزية بعيدة أو بيانات عامة غير دقيقة، توفر المقاعد الذكية معلومات محلية وفورية تعكس الواقع الحقيقي لكل شارع أو حي. هذا يسمح للبلديات بفهم أنماط التلوث والضجيج بشكل أكثر دقة، مثل معرفة الأوقات التي ترتفع فيها الضوضاء، أو المناطق التي تعاني من تلوث هواء أعلى من غيرها.
تُستخدم هذه البيانات لاحقًا في تحسين التخطيط الحضري، مثل إعادة تنظيم حركة المرور، أو زيادة المساحات الخضراء، أو اتخاذ قرارات تتعلق بتقييد بعض الأنشطة في أوقات معينة. كما يمكن أن تساعد في تقييم فعالية السياسات البيئية، إذ تتيح مقارنة مستويات التلوث قبل وبعد تنفيذ أي إجراء، بدل الاعتماد على تقديرات نظرية.
جانب آخر مهم هو دور هذه المقاعد في رفع وعي السكان. ففي بعض المدن تُعرض مؤشرات جودة الهواء أو مستوى الضجيج بشكل مبسّط، ما يجعل المواطن أكثر إدراكًا للبيئة المحيطة به. هذا الوعي قد يؤثر على سلوك الأفراد، مثل اختيار أوقات أقل ازدحامًا للتنقل أو ممارسة الرياضة، أو دعم مطالب بيئية قائمة على بيانات واضحة.
ولا يقتصر دور المقاعد الذكية على الجانب البيئي فقط، إذ غالبًا ما تُدمج معها خدمات إضافية مثل شحن الهواتف، أو الاتصال اللاسلكي بالإنترنت، أو حتى الإضاءة الذكية. هذا الدمج يعزز فكرة أن الأثاث الحضري يمكن أن يكون جزءًا فاعلًا من البنية التحتية الذكية للمدينة، وليس مجرد عنصر ثابت.
مع ذلك، تثير هذه التقنية نقاشات حول الخصوصية وإدارة البيانات، خاصة عندما تكون المقاعد قادرة على جمع معلومات دقيقة عن المكان والزمان. لذلك تعمل بعض المدن على وضع أطر واضحة لاستخدام البيانات، تضمن أن تكون لأغراض بيئية وتخطيطية فقط، دون المساس بخصوصية الأفراد.
في المحصلة، تعكس تجربة المقاعد الذكية توجهًا متزايدًا نحو مدن تعتمد على البيانات الحقيقية بدل التقديرات العامة. فهي مثال على كيف يمكن لتفاصيل بسيطة في الشارع أن تتحول إلى أدوات مؤثرة في تحسين جودة الحياة، وصحة السكان، وكفاءة السياسات الحضرية، في عالم يتجه بسرعة نحو مفهوم «المدينة الذكية».