#adsense

لماذا يخشى “الحزب” تسليم سلاحه؟ (د. طوني حنا)

حجم الخط

الحزب

لا يمكن قراءة إصرار “الحزب” على الاحتفاظ بسلاحه بوصفه أداة “مقاومة” أو “توازن ردع”، بقدر ما هو حقيقة انعكاس لخوف عميق متجذّر في بنية “الحزب” نظراً لسلوكه وتاريخه القمعي. فقد اصبح واضحاً للقاصي والداني ان هذا السلاح لم يكن يوماً أداة مواجهة خارجية، بل ان الحزب اللا الهي يستخدمه كشبكة أمان داخلية، تقي الحزب من مصير يهابه جيدًا، لأنه ساهم سابقا في صناعته للآخرين.

إن الخوف الذي يحكم قرار الحزب اليوم ليس خوفًا من الدولة اللبنانية، ولا من خصومه السياسيين، بل هو خوف من مرآته، من تاريخه، ومن المدرسة الأمنية التي نشأ فيها، حيث كان الغدر أداة حكم، وتصفية الاخصام والحلفاء مرحلة طبيعية في تاريخ مدرسته الغادرة.

أولًا: المدرسة الإيرانية… حين يصبح الغدر قاعدة

ينتمي الحزب عقائديًا وتنظيميًا إلى مدرسة تشكّلت بعد الثورة الإيرانية عام 1979. فقد تحالف آية الله الخميني مع قوى سياسية ومجموعات مسلحة ويسارية وإسلامية أسهمت في إسقاط نظام الشاه. لكن ما إن استقر الحكم، حتى بدأ مسلسل الإقصاء والتصفية.

شخصيات أساسية في قلب الثورة، مثل صادق قطب زاده وأبو الحسن بني صدر، إضافة إلى قيادات من منظمة مجاهدي خلق وقوى أخرى، انتهت بين الإعدام والنفي والاغتيال. هذه التجربة لم تكن استثناءً، بل تأسيسًا لعقيدة سياسية مفادها أن من يسلّم سلاحه يُغدر به، ومن يتخلى عن قوته يصبح سهلاً التخلص منه.

هذه العقيدة انتقلت حرفيًا إلى أذرع النظام الإيراني في المنطقة، وعلى رأسها الحزب.

ثانيًا: الولادة اللبنانية… من الإقصاء الداخلي إلى الهيمنة

في لبنان، لم يولد الحزب كمشروع جامع داخل طائفته، بل كقوة إقصائية. فقد شكّلت حركة أمل القوة الشيعية الأساسية في الثمانينيات، لكنها تعرّضت لعمليات اغتيال واشتباكات دامية مع الحزب المنشق عنها تحت اسم امل الإسلامية، خصوصًا في إقليم التفاح والجنوب.

تلك المرحلة شهدت قتلًا وخطفًا وتهجيرًا داخل البيئة نفسها، ورسّخت منطق الإلغاء بدل التعدد، وأكّدت أن السلاح لم يكن موجهًا فقط إلى الخارج، بل استُخدم أولًا لحسم الصراع الداخلي وفرض السيطرة المطلقة.

ثالثًا: النموذج السوري… تسليم السلاح طريق بلا عودة

تعزّز خوف الحزب من تسليم السلاح بتجارب حلفائه، وفي مقدّمهم النظام السوري الملهم الاول لأمناء الحزب العامين كما لقادتهم الأمنيين. ففي طرابلس، ولا سيما في منطقة التبانة، طُلب من السكان في مراحل مختلفة من الثمانينيات تسليم أسلحتهم إيذانًا بـ«مرحلة جديدة». لكن ما إن تم ذلك، حتى دخلت القوات السورية المدينة، ووقعت مجازر واعتقالات واسعة، ما زالت راسخة في الذاكرة الجماعية.

هذه التجربة كرّست معادلة قاتلة في عقل هذا المحور: من يسلّم سلاحه يُذبح.

رابعًا: تصفية الحلفاء… اليسار اللبناني نموذجًا

لم يتوقف العنف عند الخصوم، بل طال ايضاً المقاتلين في وجه عدو الحزب المزعوم “الكيان الاسرائيلي”  فقد تعرّض ناشطون من الحزب الشيوعي اللبناني وقوى يسارية أخرى، خصوصًا في الجنوب، لعمليات اغتيال أو عزل قسري داخل منازلهم خلال التسعينيات، في سياق تصفية أي صوت معارض للهيمنة السورية – الحزبية.

السلاح هنا ومرة جديدة اثبت انه لم يكن مقاومة، بل أداة ضبط وإخضاع.

خامساً: 7 أيار 2008… السلاح في قلب بيروت

بلغ استخدام السلاح في الداخل ذروته في 7 أيار 2008، حين اجتاح حزب الله وحلفاؤه شوارع بيروت، ودخلوا أحياء سكنية، واقتحموا منازل الآمنين، وروّعوا المدنيين، وسقط قتلى وجرحى في مشهد أعاد إلى العاصمة صورة الميليشيا لا الدولة.

لم يكن ذلك اليوم ردّ فعل عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة: السلاح ليس للدفاع، بل لفرض الإرادة. ومنذ ذلك التاريخ، ترسّخ في الوعي اللبناني أن أي محاولة للمسّ بسلاح الحزب ستُواجَه بالقوة، ولو كان الثمن أمن الناس وكرامتهم.

سادساً: 2005… التفويض بعد الانسحاب السوري

مع انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، لم ينتهِ النفوذ الأمني لدمشق، بل تغيّرت أدواته. فقد أوكل النظام السوري، بحسب قراءة سياسية واسعة، مهمته الأمنية داخل لبنان إلى الحزب، الذي تحوّل إلى الذراع التنفيذية لمحور دمشق–طهران.

في هذا السياق، وُجّهت الاتهامات إلى الحزب بوصفه المتهم الأساسي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو ما ثبّتته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عبر إدانة عناصر منتسبة إليه، فضلًا عن سلسلة اغتيالات لاحقة طالت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية.

سابعاً: حتى البيئة الحاضنة… لم تسلم

حتى داخل الطائفة التي يدّعي الحزب حمايتها، لم يكن السلاح مصدر أمان. فقد طالت عمليات قتل واعتقال وملفات مفبركة  شبانًا من الطائفة نفسها وهنا نستذكر ما جرى مع النائب السابق يحيى شمص او مقتل هاشم السلمان او اغتيال لقمان سليم وهذا كله أدى إلى تعميق الخوف الجماعي من أن التخلي عن السلاح قد يعني المحاسبة.

إن خوف الحزب من تسليم سلاحه ليس لحجة مقاومة العدو، بل خوفا من تاريخه. هو يخشى الغدر لأنه مارسه، ويخاف الإقصاء لأنه أقصى، ويتوجس من التصفية لأنه جعلها أداة حكم.

لكن ما لا يدركه الحزب أن الغدر ليس قاعدة عامة في السياسة، بل سلوك من اعتاده. أما الدولة، مهما ضعفت، فلا تُبنى بالسلاح، ولا تُحمى بالميليشيا. وحده من استخدم القوة ضد شعبه يخشى لحظة فقدانها، لأن السلاح عنده لم يكن يومًا وسيلة حماية، بل وسيلة سيطرة. هذا السلاح الذي يخشى اليوم تصويت المغتربين لانه يدرك ان لا يمكنه إخضاعهم بالترهيب سيتحول في القريب العاجل إلى وسيلة انتحار سياسي لا اداة قمع واخضاع وترهيب كما اعتدناه منذ نشأته في اوائل الثمانينات القرن الماضي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل