
في قرار غير مألوف في زمن يُقاس فيه كل شيء بسرعة الاتصال، قررت جزيرة صغيرة ذات حكم محلي ذاتي قطع الإنترنت بالكامل عن سكانها ليوم واحد كل أسبوع، بشكل مقصود ومنظّم. القرار لم يأتِ نتيجة عطل تقني أو ضغط اقتصادي، بل كخيار اجتماعي واعٍ هدفه إعادة التوازن إلى حياة السكان، بعد ملاحظات متزايدة حول العزلة، الإرهاق الرقمي، وتراجع العلاقات الإنسانية المباشرة.
السلطات المحلية أوضحت أن الفكرة بدأت كمقترح مجتمعي، لا كمبادرة فوقية. خلال اجتماعات مفتوحة، عبّر سكان الجزيرة عن شعورهم بأنهم يعيشون في مكان جميل لكنهم “غائبون عنه ذهنيًا”، حاضرون بأجسادهم فقط، بينما عقولهم معلّقة بالشاشات. الأطفال يقضون وقتهم على الأجهزة، الكبار يتواصلون عبر التطبيقات بدل اللقاء، وحتى الجيران لم يعودوا يعرفون تفاصيل حياة بعضهم البعض. من هنا، طُرحت فكرة “يوم بلا إنترنت” كتجربة مؤقتة، سرعان ما تحوّلت إلى سياسة أسبوعية ثابتة.
في اليوم المحدد، يُقطع الاتصال بالشبكة تمامًا: لا واي فاي، لا بيانات هاتفية، ولا خدمات بث. في البداية، سادت حالة من التوتر والارتباك، خصوصًا لدى فئة الشباب والعاملين عن بُعد. لكن مع مرور الأسابيع، بدأت ملامح مختلفة تظهر في الفضاء العام. المقاهي امتلأت بأحاديث حقيقية، لا بهواتف موضوعة على الطاولات. الأطفال عادوا للعب في الشوارع والساحات. العائلات خصصت هذا اليوم لوجبات مشتركة طويلة، دون مقاطعة إشعارات.
المثير للاهتمام أن التأثير لم يكن نفسيًا فقط، بل اقتصاديًا وثقافيًا أيضًا. المتاجر المحلية شهدت زيادة في الحركة خلال هذا اليوم، والأنشطة الجماعية مثل ورش الحِرَف، العروض الموسيقية الصغيرة، والمشي الجماعي أصبحت جزءًا من الروتين الأسبوعي. بعض السكان وصفوا اليوم بأنه “تنفّس جماعي”، فرصة لإعادة ضبط الإيقاع قبل العودة إلى العالم الرقمي.
رغم ذلك، لم يخلُ القرار من انتقادات. البعض اعتبره تقييدًا للحرية الشخصية، خصوصًا لمن يعتمدون على الإنترنت في أعمالهم أو تواصلهم مع العالم الخارجي. ردّت السلطات بالسماح باستثناءات محدودة للحالات الطارئة، لكنها شددت على أن جوهر الفكرة يقوم على الالتزام الجماعي، لا على المرونة الفردية. “إذا فتحنا الباب للجميع، تفقد التجربة معناها”، قال أحد أعضاء المجلس المحلي.
التجربة جذبت اهتمام باحثين في علم الاجتماع والصحة النفسية، الذين اعتبروها نموذجًا نادرًا لمجتمع يقرّر طوعًا مقاومة الإدمان الرقمي بدل التكيّف معه. في عالم يُنظر فيه إلى الاتصال الدائم كحق مكتسب، اختارت هذه الجزيرة أن تختبر العكس: ماذا يحدث عندما نختفي قليلًا عن الشبكة لنعود أقرب إلى بعضنا؟
ربما لا تصلح الفكرة للتطبيق في المدن الكبرى، لكن الجزيرة لم تدّعِ أنها تقدم حلًا عالميًا. ما فعلته ببساطة هو طرح سؤال صعب في زمن سهل الاستهلاك: هل نحن متصلون فعلًا، أم فقط متصلون بالإنترنت؟