#dfp #adsense

رقصت المربعانية فطافت ينابيع لبنان

حجم الخط

منذ نحو الشهرين، سبحت غيوم على شكل سمكة فوق جبل الشيخ، في حكاياتنا وأدبياتنا القروية الشعبية، وبحسب حكايات العتاق في الضيعة، هذه الغيوم تدعى “النونة” أو الفطيرة، أو اسم الدلع بحسب أهل الضيعة في البقاع “النوناية”، أما في الشمال وتحديدًا أهل زغرتا يسمونها “سمكة تولا”! ماذا يعني الأمر ونحن في قلب أجواء كانونية بامتياز؟  يقول أهالي قرى البقاع إنهم فيما مضى، وكلما بدأ تشرين، كانوا عند الغروب يتطلعون صوب قمة جبل الشيخ ويرصدون تلك الغيوم المتطاولة، وما إن يرونها حتى يشعرون بالانشراح والأمل بأن “خي الدني قريبًا رح تشتي والعواصف جايي”، ويتحضرون لموسم شتاء عاصف لا محال. ماذا تحمل تلك “النوناية” التي ظهرت في سمائنا منذ فترة ووقفنا متفائلين بحذر بموسم ماطر كي لا تصيبنا الخيبة؟

يقول بعض راصدي الطقس، من غير المنتشرين على التيك توك وفايسبوك الطارئين على علم الطقس، بأن تلك الغيوم إشارة حقيقية على موسم ماطر في العادة يأتي بعد نحو الشهرين على ظهورها تلك الغيوم وأحيانًا بعد أيام قليلة، وهذا ما حصل. وفي ضيعتي البقاعية المتغاوية على كف جبل الباروك، حكايا الأجداد لا تنسى حتى اللحظة رواية جدي شاهين فرج منذ العام 1992، اذ كان كانون الأول والسماء بخلت بأمطارها، وكان الطقس مشمسًا جافًا، والناس خائفة على مواسمها والينابيع جافة،  وكان جدي شاهين ملمًا بأحوال الطقس بالفطرة، فسأله أهل الضيعة عما يتوقعه، فالتفت نحو جبل الشيخ وأمعن النظر بنظاراته السميكة، وأطلق مقولته الشهيرة في الضيعة “هيدي اللازقا فوق جبل الشيخ مش عاجبتني الهيئة بدو يصير شي الليلة”، ساعات قليلة، وفجأة ومن دون أي انذار، هطل الثلج كثيفًا في الليل وتراكم ليقارب  المتر. كانت تلك نوناية جدي شاهين، أما علم الأرصاد في هذه الأيام فيقول إن تلك الغيمة النحيلة هي دليل على قدوم الرياح القوية فوق جبل الشيخ وعلى صراع الطقس بين حاله، بين الشمس والعواصف، والصراع الآن بين مرصد العتاق المعتقين بالفطرة والإحساس، وبين مرصد العلم السابق والتنبؤات، ولو كانت كفة العلم طابشة بقوة، لكن بحسب ما تبين، فإن النوناية صدقت بعد مرور نحو الشهر واندلعت عاصفة المربعانية التي زخ لبنان تحت وطأتها صاغرًا مطيعًا سعيدًا. ماذا تعني الكلمة؟

خلف وجاق الحطب في الجرد المغمور بأصوات الرياح العاتية، ونقر البرد على زجاج الليل، وقرقعة كأس نبيذ يهامس العاصفة بإباحية الثلج المنهمر، المربعانية هي الفترة التي تبدأ في 22 كانون الأول وتنتهي في 31 كانون التاني، ويقال إن في هذه الفترة، “المربعانية يا بتقبع يا بتربع يا بتغرق يا بتحرق”، أي إما أن تكون فترة شحيحة بخيلة جافة أو فترة واعدة بأمطار طوفانية وعواصف وثلوج.

حتى اللحظة يبدو أن كانون الثاني بدأ يثبت رجولية عالية الجودة، إذ إن عاصفة المربعانية الأخيرة أغرقت لبنان بالخيرات من غياب سنة كاملة عانى فيها من موسم جفاف قاس جدًا، بمعنى آخر استحق كانون اسمه هذه السنة كفحل الشتاء، خصوصًا أن توقعات الأرصاد الجوية تؤكد أن ثمة عواصف كثيرة بعد على طريق كانون، والايسلندي مستمر في صراعه مع الازوري كما يقول راصدو الطقس!…

جبال لبنان العالية الشامخة أبدًا، تدثرت بمعطف الثلج. هذا ما يليق بها، شموخ الأبيض الناصع، تحننت علينا الطبيعة أخيرًا بخيراتها، وبدأت الينابيع تتحرك، “عيانة تانية متل هيدي وبيطلع النبع” يقول شاويش الضيعة، وقرانا تحتاج لتفجر الينابيع لتروي بساتينها في الصيف وتحصد مواسم الأرض الخيرة، وهذه العاصفة هي التأسيس كما يقول أهالي القرى، أما الأرصاد الجوية وعلماء الطقس فيؤكدون أن لبنان على موعد مع شتاء عاصف “وعواصف قطبية” ستنهال علينا خصوصًا من أوروبا، ونحن؟

ونحن الى كأس نبيذنا المعتق بخير الأرض، وقرقعة لهب الصوبيا، وعند زجاج الشتاء نرفع كؤوسنا ونمزمز دفء كانون حتى آخر الرشفات، هو كانون صوت الرعد وجنون الريح، هو كانون حطب الوجاق يطقطق كمن يرقص على جمره سكرانًا، هو كانون ليل الضيعة السهران الى نافذة الثلج يغب الليل بدفء ذاك الصقيع، هو كانون والمربعانية قبعت كل جفاف العام الماضي وأغرقت الينابيع بالخيرات، والجبال بغوى الثلج، والسماء بوميض الرعود، ونحن ننتظر الى رشفات كؤوس النعمة، وغدًا عندما يزهر الربيع، ستمتلىء بحيراتنا، وتطوف ينابيعنا ونسكر بالنعمة، ومع كل ذاك الفرح تطلع مذيعة الطقس وتقول “التكس سيء كتير ولبنان عم تضربو عاسفة”. حسنوا اللغة، حسنوا التعابير، فلبنان عاد يسبح فوق طوف النعمة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل