.jpg)
قد يسقط النظام الإيراني وقد لا يسقط، وقد يُقلِّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أظافره وقد لا يفعل. ليس هذا هو الأساس في موضوعنا، إنما الأساس هو قضية الشعب الإيراني الثائر ضدّ النظام الظلامي الذي يقتل شعبه ويمنعه من الحرية والعيش الكريم.
لا شكّ في أنّ أكثرية الشعب اللبناني متضامنة مع الشعب الإيراني الذي يُذبح كلّ يوم على يد أعتى المجرمين في هذا النظام المارق، وصلوات اللبنانيين وأشواقهم تنشد الحرية للإيرانيين من جلّاديهم المقنّعين بـ”حجاب” الدين، علماً أنّهم لم يتعلّموا من هذا الدين المحبّة والرحمة والحقّ!
لكن تضامن اللبنانيين مع الشعب الإيراني في احتجاجاته ضدّ السلطة الظالمة التي جوّعته ومنعته من الحرية والتقدّم، ليس إنسانياً فقط، بل وجوديّ واستراتيجيّ وسياسيّ أيضاً. فاللبنانيون يعانون من الذراع العسكرية لهذا النظام، المتمثّلة بـ”الحزب”، التي زرعها في لبنان ليبسط نفوذه ويهيمن على القرار السياسي في بلد الأرز…
منذ أكثر من عشرين عاماً، يعاني اللبنانيون كما يعاني الإيرانيون، فمشروع “الحزب” هو مشروع النظام الإيراني نفسه، والقرار واحد لدى الوليّ الفقيه، المرشد علي خامنئي. لذلك ينطبق شعار رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على الشعبين الإيراني واللبناني:
“إنسان واحد… قضية واحدة… في كلّ زمان ومكان”.
واللافت أنّ كلام جعجع تثبته وقائع التاريخ، الذي شهد أنظمة مماثلة للنظام الإيراني، وكان مصيرها معروفاً. وربما لا نحتاج إلى العودة إلى العصور الأولى والوسطى، على الرغم من امتلائها بالوقائع، لأنّ النظام الأسدي في سوريا هو نموذج معاصر لتلك الأنظمة الساقطة إنسانياً وحقوقياً وأخلاقياً، والتي لا تؤمن بقيم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وكرامته. فلم يترك سوريا إلا بانتفاضة شعبه عليه، وكان هروبه عظيماً!
الخلاف مع النظام الإيراني هو خلاف بين الماضي والحاضر، بين التخلّف والعلم. وهو نظام غير قابل للحياة، لديه مشكلة وجودية مع العالم أجمع، وليس مع محيطه فقط. إنّه نظام يعيش خارج سرب الحضارة البشرية ومنظومة العصر، ويجرّ المنطقة إلى سباق نحو التطرّف والرجعية منذ عام 1979، ويُعدّ الصانع الأول لموجة الإرهاب والتطرّف، ولا يزال يرفض حتى اليوم التخلّي عن تلك الأفكار، على الرغم من التغييرات التي عصفت بالمنطقة مؤخراً.
من لا يزال يراهن على أنّ هذا النظام يحتاج إلى وقت ليغيّر نفسه، فهو واهم حتماً. لقد أثبت أنّه عاجز عن تغيير منظومة الكهنوت التي تحكّمت بكثير من مؤسساته وخنقت شعبه، بل هو مستمرّ في تصدير التطرّف ونموذجه الثوري المتخلّف.
يكفي هذا النظام، لو أراد أن يتعلّم، أن ينظر إلى التجربة السعودية التي تطوّرت بشكل لافت. صحيح أنّها حافظت على الأسرة الحاكمة، لكنها غيّرت استراتيجية الحكم لتتناسب مع العصر ومع حاجات شعبها. تركت الشكل القديم للأنظمة المتشدّدة التي تسعى إلى تصدير نموذجها للعالم، واقتربت من الأنظمة الحديثة التي تتحكّم فيها مصالح شعوبها، بعكس النظام الإيراني المُصرّ على تخلّفه. والمؤسف أنّه لم يصدّر سوى تخلّفه إلى بعض دول المنطقة، من خلال دعم “الحزب” في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، و”حماس” في غزة، وكلّها منظمات عسكرية تزعزع استقرار المنطقة وأنظمة الحكم فيها، وتسقط دولها الواحدة تلو الأخرى.
رحيل النظام الإيراني يُنصف مصلحة الشعب الإيراني أولاً، لأنه ذاق الويلات من حروب “ولاية الفقيه” وتصدير الثورة والشعارات العدميّة، وبات غالبية المواطنين فقراء، على الرغم من أنّ دولتهم غنية بكلّ مصادرها الطبيعية. ولو وُجد فيها نظام حديث، لتضاعف مستوى دخل المواطن عشر مرات خلال خمس سنوات فقط.
لا شكّ في أنّ ثورة الشعب الإيراني، إذا نجحت، ستنعكس إيجاباً على لبنان واليمن والعراق، فتضعف الأذرع العسكرية، وتنزل من أبراجها العالية، وتتواضع لتعود إلى حجمها الطبيعي ضمن دولها، بدلاً من العنتريات والاستقواء وإنشاء الدويلات داخل الدول.
ربما يغيّر ترامب رأيه في ضرب النظام عسكرياً لأسباب استراتيجية، لكن نهاية هذا النظام معروفة، ولا بدّ أن يسقط بانفجار شعبي مدوٍّ من الداخل، مصحوب بتمرّد عسكري، فلن تسلم الجرّة في كلّ مرة!
اللبنانيون متعطّشون إلى أن تنتهي معاناتهم ومعاناة الشعب الإيراني، فيتحرّروا من تهديدات هذا النظام المتهالك وأذرعه، الذي يقوم على خرافة “الولاية”، وأساطير بالية، واقتصاد مهترئ، وتقنيات قديمة وتقليدية، ويُمنّي شعبه وجيشه وأتباعه في المنطقة بالشهادة وحياة ما بعد الموت.
لقد سقط كثير من الشهداء في لبنان وإيران على يد هذا النظام وأتباعه، وكلمة حقّ تُقال: إنّ دماء الشرفاء في إيران ولبنان واليمن والعراق امتزجت دفاعاً عن الحرية والحياة الكريمة. بات هناك خطّ وصل، وصلة قرابة، أصبح فيها الإنسان إنساناً واحداً، والقضية قضية واحدة… في كلّ زمان ومكان!
